عندما تبكي الشجرة

الفصل 17 — اعترافات في ضوء القمر

بقلم وفاء البكري

الفصل 17 — اعترافات في ضوء القمر

كان ضوء القمر الفضي ينسكب على الحديقة، يرسم ظلالاً طويلة ومتحركة بين الأشجار. جلست سارة على المقعد الخشبي القديم، الذي كان والدها يفضل الجلوس عليه في الأمسيات الهادئة. كان المقعد قد شاب لونه، وبدأت بعض أجزائه تتعرى، لكنه ظل محتفظاً ببريق ذكريات لا تُنسى.

اليوم، لم تكن تبحث عن العزاء في صمت الشجرة فقط، بل كانت تشعر بحاجة ملحة إلى الحديث، إلى البوح. كانت هناك كلمات مكبوتة في صدرها، مشاعر متضاربة، وأسئلة تنتظر إجابات. لم تكن تعرف مع من تتحدث، فمن حولها لم يكن ليفهم عمق ما تشعر به.

فجأة، سمعت صوت خطوات قادمة من جهة الباب الخلفي للمنزل. لم تتوقع أحداً في هذا الوقت المتأخر. رفعت رأسها لتجد عمها، السيد أحمد، يقف عند مدخل الحديقة، وعيناه تتقابلان بعينيها في ضوء القمر. كان يبدو شارد الذهن، وتعبت ملامحه.

"هل كل شيء بخير يا ابنتي؟" سأل بصوت هادئ، اقترب ببطء. هزت سارة رأسها بالإيجاب. "نعم يا عمي، فقط كنت أستمتع بالهواء."

جلس عمها بجانبها على المقعد، تاركاً مسافة معقولة بينهما. ساد صمت قصير، كان صمتاً مليئاً بالكلمات غير المنطوقة. كانا كلاهما يحملان عبء فقدان عزيز، وربما كانت تلك الليلة فرصة لهما لتقاسم شيء من هذا العبء.

"هذا المكان... يحمل الكثير من الذكريات، أليس كذلك؟" قال عمها أخيراً، ينظر إلى شجرة التفاح. ابتسمت سارة ابتسامة باهتة. "نعم يا عمي. كل حجر وكل ورقة هنا تحكي قصة."

"قصص والدك... ووالدتك... وحتى جدتك." أضاف عمها. ثم تنهد. "كنت أتذكر اليوم كيف كان والدك شغوفاً بهذه الحديقة. كان يقضي فيها ساعات طويلة. لم يكن الأمر مجرد هواية بالنسبة له، بل كان جزءاً من روحه."

"أعلم يا عمي. لقد ترك لي وصية بالاعتناء بها." قالت سارة، وبدأت كلماتها تخرج ببطء، كأنها تنبش أسراراً مدفونة. "لكنني لم أفهم حقاً معنى هذه الوصية حتى هذه اللحظة. حتى رأيت الشجرة... حتى شعرت بها."

نظر إليها عمها بانتباه، وكان في عينيه مزيج من الحزن والتفهم. "الشجرة... نعم. أعرف أنها كانت تعني الكثير لجدتك. كانت ترى فيها شيئاً مختلفاً."

"كانت تقول لي إنها تتحدث معها." قالت سارة، وشعرت بأنها تقول شيئاً قد يبدو غريباً، لكنها شعرت بأن عمها لن يسخر منها. "اليوم... شعرت بشيء. شعرت بأنني أفهمها، أو على الأقل أحاول."

توقف عمها عن الكلام للحظة، ثم قال بصوت أعمق: "قد يكون هذا صحيحاً يا سارة. هناك أمور لا تُدرك بالعقل فقط. هناك لغة للقلوب، وللأرواح. والدك كان يؤمن بذلك. جدتك كانت تعيش به."

"لقد شعرت بمسؤولية كبيرة تجاهها." أكملت سارة. "وكأنها بحاجة إليّ. بحاجة إلى من يسمعها."

"هذا هو الإرث الحقيقي يا سارة." قال عمها بجدية. "ليس مجرد ممتلكات، بل هو الحب، والاهتمام، والروح التي نتركها في الأشياء والأماكن. والدك ترك لك روحه في هذه الحديقة، وفي هذه الشجرة."

ثم صمت عمها، وبعد لحظات، قال بتردد: "هناك شيء أردت أن أخبرك به يا سارة. منذ فترة."

رفعت سارة رأسها، وشعرت بتغير طفيف في نبرة صوته. "ما هو يا عمي؟"

"في الأيام الأخيرة لوالدك، كان دائماً يسأل عنك. كان يريد أن يراك. وكان يقول لي شيئاً... شيئاً يتعلق بوالدتك."

اتسعت عينا سارة. "أمي؟ ماذا قال عنها؟"

تنهد عمها بعمق، وكان يبدو أنه يجمع قوته ليقول. "قال إنه كان لديه سر. سر متعلق بوالدتك، وكان يشعر بالندم لأنه لم يخبرك به من قبل. كان يريد أن يخبرك قبل أن... قبل أن يرحل."

شعرت سارة بدقات قلبها تتسارع. سر؟ والدتها؟ لطالما كانت والدتها لغزاً كبيراً بالنسبة لها. رحلت مبكراً، ولم تترك لها سوى الذكريات الباهتة والأحلام المتقطعة.

"وما هو هذا السر يا عمي؟" سألت بصوت مرتجف.

نظر عمها إلى شجرة التفاح، ثم إلى عينيها. "لم يخبرني بالتفاصيل الدقيقة. قال فقط إنه كان هناك شيء مهم، شيء يتعلق بـ... ببعض الرسائل. رسائل كان يحتفظ بها. وكان يتمنى لو أنه منحك فرصة لقراءتها. كان يتمنى لو لم يخفِ عنك شيئاً."

"رسائل؟" كررت سارة، وشعرت بأنها في حلم. "لم أعرف أبداً أن هناك رسائل."

"والدك لم يكن رجلاً يحب الأسرار، لكن هذه المرة... كانت المسألة حساسة. كان متعلقاً بوالدتك، وربما كان يخشى أن يؤذيك. لكنه ندم بشدة في النهاية. لقد ترك لي... ترك لي مفتاحاً."

"مفتاح؟"

"نعم. مفتاح لخزانة صغيرة قديمة في غرفة المكتب. قال لي إن الرسائل موجودة هناك. لم يخبرني لماذا لم يخبرك هو مباشرة، لكنه ترك لي هذا المفتاح، وطلب مني أن أمنحه لك عندما أرى أنك مستعدة."

نظرت سارة إلى عمها، وكان في عينيها مزيج من الخوف، والفضول، والأمل. هل يمكن أن تكون هذه الرسائل هي المفتاح لفهم أمها، لفهم جزء مفقود من حياتها؟

"متى... متى يمكنني رؤيتها؟" سألت بصوت بالكاد مسموع.

ابتسم عمها ابتسامة حانية. "متى شعرتِ بالاستعداد يا ابنتي. المفتاح معك الآن. يمكنكِ الذهاب إلى المكتب متى شئتِ. لكن تذكري، أي سر يتعلق بوالدتك، يجب أن يُقابل بالكثير من الحب والتفهم."

أومأت سارة برأسها، وقلبها يخفق بشدة. لم تكن تعلم ما الذي ستجده في تلك الخزانة. ربما ذكريات جميلة، ربما بعض الألم. لكنها كانت تعلم شيئاً واحداً: أن هذه الرسائل، وهذه الشجرة، وهذا الإرث، كلها أجزاء من لغز حياتها، وأنها مستعدة الآن لمواجهة هذا اللغز، مهما كان.

بقيت جالسة مع عمها لبعض الوقت، يتشاركان الصمت، والصور، والذكريات. كان ضوء القمر قد بدأ يخفت، وبدأت السماء تتفتح بألوان الفجر الأولى. شعرت سارة بسلام داخلي لم تشعر به منذ زمن طويل. كانت قد بدأت رحلتها نحو الشفاء، رحلة ستأخذها إلى أعماق الماضي، لتفهم الحاضر، ولتبني مستقبلاً أكثر إشراقاً، مستقبلاً يُروى بالحب، وباعترافات القلب في ضوء القمر.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%