عندما تبكي الشجرة
الفصل 18 — أوراق الماضي وندم العمر
بقلم وفاء البكري
الفصل 18 — أوراق الماضي وندم العمر
كانت غرفة المكتب القديمة، التي لم تطأها قدما سارة منذ فترة طويلة، تفوح منها رائحة الورق القديم والغبار. ضوء شمس الصباح الباهت يتسلل من النافذة، يضيء جزئياً زوايا الغرفة المليئة بالكتب القديمة والأثاث العتيق. في يدها، كانت تمسك بالمفتاح النحاسي الصغير الذي أعطاها إياه عمها، مفتاح بدا وكأنه يحمل ثقل كل الأسرار الممكنة.
وقفت أمام الخزانة الخشبية الصغيرة، التي كانت مزينة بنقوش دقيقة. كان عمها قد أشار إلى مكانها، وقال إن والدها قد خبأها بعناية. أمسكت بالمفتاح، وقلبها يخفق بشدة. كانت تشعر بأنها على وشك فتح باب إلى عالم آخر، عالم والدتها الذي لم تعرفه.
أدخلت المفتاح في القفل، ودار بعناية. سمعت صوت طقطقة خفيفة، ثم انفتح الباب. لم تكن الخزانة كبيرة، لكن ما بداخلها كان كنزاً لا يُقدر بثمن. كانت هناك مجموعة من الرسائل، مربوطة بشريط قماش بالي، بالإضافة إلى بعض الصور القديمة، ودفتر صغير بغلاف جلدي.
بحذر شديد، مدت يدها لتأخذ الرسائل. كانت مغلفة بأوراق صفراء، وعليها خط يد جميل، لكنه لم يكن خط يد والدها. كان خط يد والدتها. شعرت بقشعريرة تسري في جسدها. هذه هي، هذه هي الكلمات التي كانت تنتظرها.
جلست على الأرض، بجانب الخزانة، وبدأت بفك الشريط عن الرسائل. كانت أول رسالة بتاريخ قديم جداً، يعود لسنوات قبل زواجها من والدها. كانت موجهة إلى شخص لم تعرفه، لكن من خلال قراءتها، أدركت أنه كان شخصاً أحبته والدتها بشدة.
"حبيبي..." بدأت الرسالة. "لا أستطيع أن أصف لك مدى اشتياقي إليك. كل يوم يمر يزداد شوقي لرؤية وجهك، لسماع صوتك. أخشى من المستقبل، من الفراق الذي قد يفرق بيننا. أتمنى لو أن الأيام تقف بنا هنا، في هذه اللحظة السعيدة."
كانت الكلمات تتدفق بصدق، بعاطفة جياشة. سارة تقرأ، وقلبها يتألم. والدتها، هذه المرأة الهادئة والرزينة التي تتذكرها، كانت تخفي في قلبها هذا الحب الكبير، هذا الشوق العميق.
قرأت الرسالة تلو الأخرى. كانت كلها تحمل نفس الشوق، نفس الأمل، ونفس الخوف. ثم، وجدت رسالة تبدو مختلفة. كانت أطول، وأكثر تفصيلاً. كانت تتحدث عن قرار صعب.
"عزيزي... لقد اتخذت قراراً قاسياً، قراراً سيغير حياتي وحياتك. لم يعد بإمكاني الاستمرار هكذا. المجتمع، الظروف... كل شيء يقف ضدنا. يجب أن أنساك، ويجب أن تمضي في طريقك. لكني أعدك، أني سأحمل حبك في قلبي دائماً. ربما في حياة أخرى، في زمان آخر، نلتقي."
كانت هذه الرسالة بمثابة صدمة لسارة. هل كانت والدتها تخطط لشيء؟ هل كانت ستحاول الهرب؟ ثم، وجدت رسالة أخرى، أحدث، لكنها لم تكن موجهة إلى نفس الشخص. كانت موجهة إلى والدها.
"أحمد... أشكرك على لطفك، على اهتمامك. لقد كنت رجلاً طيباً، ورجلاً يستحق الحب. ربما لم يكن هذا ما تخيلته لحياتي، لكنني سأبذل قصارى جهدي لأكون زوجة صالحة، وأماً صالحة. أعدك بذلك."
شعر سارة بأن الدموع بدأت تتساقط على خديها. فهمت الآن. والدتها لم تكن تحب والدها بنفس العمق، لكنها احترمته، وأحبته كزوج، وأم. لقد كان زواجها زواجاً مختلفاً عن الحب الأول، لكنه كان زواجاً مليئاً بالواجب، بالاحترام، وبالحب الذي ينمو مع الوقت.
ثم، وجدت الدفتر الصغير. فتحته بحذر. كانت صفحاته مليئة بخواطر والدتها، بأحلامها، بمخاوفها. كانت تتحدث عن رغبتها في السفر، في رؤية العالم، في تعلم المزيد. ثم، وجدت ما جعل قلبها يقف.
"لقد علمت بالأمر. علمت بأنني حامل. هذه فرحة، لكنها أيضاً مسؤولية. هل سأكون أماً جيدة؟ هل سأقدر على تربيتها في هذا العالم؟ أخشى عليها من الأيام. أخشى أن تعيش نفس الألم الذي عشته. أخشى أن تضطر للتخلي عن أحلامها."
كانت هذه الكلمات موجهة إلى طفل لم يولد بعد. كانت تتحدث عن سارة. والدتها كانت قلقة عليها منذ قبل أن تولد. ثم، هناك إشارة إلى والدها، وزواجهما.
"أحمد رجل طيب. سيحب طفلنا. لكنني أخشى أن لا يفهمها، أن لا يفهم أحلامها. أحلامي التي لم أستطع تحقيقها. أتمنى أن تمنحها الحياة فرصة لتحقيق ما لم أستطع أنا."
ثم، في الصفحات الأخيرة، وجدت ما كان يبحث عنه والدها. كانت هناك صفحات تتحدث عن فكرة السفر، عن فرصة عمل في الخارج، وعن رسائل تبادلها والدها مع الجامعة. كان يريد أن يسافر للدراسة، لكن والدتها كانت حاملة، وكان عليه أن يبقى.
"لقد اضطر أحمد للتخلي عن حلمه. من أجلي، ومن أجل طفلتنا. لقد ضحى بالكثير. يجب أن أقدر ذلك. يجب أن أجعله يشعر بأن تضحيته لم تذهب سدى."
كانت هذه الكلمات مؤثرة جداً. والدها، الذي كانت تراه دائماً صبوراً، وعملياً، كان يخفي في قلبه حلماً ضائعاً. والدتها، التي كانت تبدو هادئة، كانت تحمل في قلبها الكثير من الشوق، والكثير من الحب.
نظرت إلى الصور. صورة لوالدتها وهي شابة، تبتسم ابتسامة خجولة. وصورة لها مع والدها، يبدوان سعيدين. وصورة لسارة وهي رضيعة، بين ذراعي والدتها.
بدأت سارة تفهم. والدها لم يكن يخفي عنها هذه الرسائل من أجل إخفاء سر سيء، بل لأنه كان يخشى أن تجرحها حقيقة أن والدتها لم تختره عن حب مطلق، أو لأنه كان يخشى أن تؤذيها حقيقة أنه هو نفسه قد ضحى بأحلامه. ربما كان يخشى أن يرى في والدته مثالاً للفشل، أو في والده مثالاً لمن ضاعت أحلامه.
لكن سارة لم ترَ ذلك. رأت في والدتها امرأة قوية، اختارت طريقها، وحاولت أن تكون أماً صالحة. ورأت في والدها رجلاً عظيماً، ضحى من أجل عائلته، ورغم ذلك، لم يفقد روحه الجميلة.
ثم، وجدت شيئاً أخيراً، رسالة مكتوبة بخط يد والدها، وموجهة إليها.
"ابنتي الحبيبة سارة، إذا كنتِ تقرأين هذا، فهذا يعني أنكِ قد اكتشفتِ شيئاً من ماضي والدتك، وربما بعضاً من أسراري. لم أرد أن أخفِ عنكِ شيئاً، لكنني أردت أن أحميكِ. أحميكِ من الألم الذي قد تشعرين به عندما تدركين أن والدتك لم تكن تنظر إليّ بنفس شغفها الأول. وأحميكِ من الحزن الذي قد تشعرين به عندما تعرفين أنني ضحيت بأحلامي. لكنني أريدكِ أن تعرفي شيئاً يا سارة. الحب يأتي بأشكال مختلفة. حب والدتك لي كان حباً مختلفاً، لكنه كان حباً حقيقياً. لقد بنينا حياة معاً، حياة مليئة بالعطاء، وبالاحترام، وبالحب لطفلتنا. وأنا... لم أندم أبداً على تضحيتي. فأنتم كنتم كل شيء بالنسبة لي. أنتم كنتم أحلامي التي تحققت. أردت فقط أن تعرفي هذه الحقيقة. وأن تعرفي أنني أحببت والدتك، وأحبكِ، أكثر من أي شيء في هذا العالم. حافظي على روحكِ الجميلة، وعلى أحلامكِ. لا تدعي أي شيء يمنعكِ من تحقيق ما تتمنينه. والدكِ المحب."
بكت سارة بحرقة. لم تكن دموع حزن، بل دموع فهم، وامتنان، وتقدير. لقد فهمت الآن والدتها، وفهمت والدها. وفهمت أن الحب ليس دائماً كقصص الأطفال، بل هو أعمق، وأكثر تعقيداً، وأكثر جمالاً في حقيقته.
أغلقت الرسائل، ووضعتها بعناية في الخزانة. كان هناك الكثير لتفكر فيه، والكثير لتستوعبه. لكنها شعرت بأن جزءاً كبيراً من قلبها قد شُفي. لم تعد ترى والدتها كشخص غامض، بل كإنسانة عاشت، أحبت، واتخذت قرارات. ولم تعد ترى والدها كشخص عادي، بل كبطل عظيم، ضحى بالكثير.
نهضت من مكانها، وشعرت بأنها أصبحت أقوى. لم تعد مجرد سارة، بل أصبحت سارة التي تفهم، وسارة التي تقدر، وسارة التي تحمل في قلبها إرثاً من الحب والتضحية. كانت أوراق الماضي قد كشفت لها الكثير، وندم العمر الذي ربما شعر به والدها، قد تحول إلى درس قيم لها.