صمت القلوب المتعبة

الفصل 17 — همسات الأمل وتحديات جديدة

بقلم وفاء البكري

الفصل 17 — همسات الأمل وتحديات جديدة

مرت أسابيع على رحيل "خالد"، وبدأت عجلة الحياة تدور ببطء مرة أخرى في قصر آل السعيد، وإن كان ذلك بمسحة من الحزن ما زالت تخيم على الأرجاء. "ليلى" بدأت تستجيب تدريجيًا لمحاولات عائلتها. لم تعد تقضي معظم وقتها حبيسة غرفتها، بل بدأت تشاركهم بعض الوجبات، وتستمع إلى أحاديثهم، وإن كانت مشاركتها الكلامية لا تزال محدودة.

"سامي" كان له دور كبير في هذا التحول. كان يصر على إخراجها من عزلتها، ولو لساعة في اليوم. كانوا يتجولون في حديقة القصر، أو يشاهدون فيلمًا قديمًا، أو حتى يجلسون بصمت، لكن هذا الصمت كان مختلفًا عن صمتها السابق. كان صمتًا مريحًا، مليئًا بالتفهم.

في أحد الأيام، بينما كانا يحتسيان كوبًا من الشاي في الشرفة المطلة على الحديقة، قال "سامي": "لقد تلقيت مكالمة من عمي. يرغب في القدوم لزيارتنا الأسبوع القادم."

رفعت "ليلى" عينيها، متفاجئة قليلًا. "عمي؟ لم أره منذ فترة طويلة."

"نعم، إنه قلق على الجميع. خاصة بعد ما حدث." قال "سامي"، ثم أضاف بتردد: "ربما ستكون زيارته فرصة لنا جميعًا للتحدث، وتبادل الذكريات."

"أتمنى ذلك." قالت "ليلى" بصوت واهٍ. كانت ترى في زيارة عمها فرصة لتشتيت تفكيرها، ولإعادة بعض النشاط إلى حياتها.

في الأيام التي سبقت وصول العم، بدأت "ليلى" في استعادة بعض من روتينها القديم. بدأت تقضي بعض الوقت في مكتبتها، تقلب صفحات الكتب التي كانت تحبها. لم تكن تقرأ بتركيز تام، لكن مجرد لمس الورق، واستنشاق رائحة الكتب القديمة، كان يبعث فيها شعورًا بالراحة.

"أمي، هل يمكنني المساعدة في ترتيب غرفة استقبال الضيوف؟" سألت "فاطمة"، والدتها، ذات صباح.

فرحت "فاطمة" برؤية ابنتها تبادر. "بالتأكيد يا حبيبتي. سأكون سعيدة بمساعدتك."

قضتا وقتًا ممتعًا معًا، ترتبان الزهور، وتعدلان الوسائد، وتتحدثان عن أمور بسيطة. لأول مرة منذ فترة طويلة، شعرت "ليلى" بأنها جزء من عائلتها، لا مجرد شبح يمر بين الغرف.

عندما وصل العم، استقبلته العائلة بحفاوة. كان رجلًا طيب القلب، ذو لحية بيضاء خفيفة، وعينين تحملان حكمة السنين. جلس الجميع في غرفة المعيشة، وبدأوا بالحديث.

"كيف حالكم يا أحبائي؟" سأل العم بصوت دافئ. "لقد كنت قلقًا عليكم كثيرًا."

"الحمد لله، نحن بخير." أجاب "أحمد"، والد "ليلى" و"سامي". "لكننا افتقدنا خالد كثيرًا."

"رحمه الله. كان شابًا طيبًا. أتذكر عندما كان صغيرًا، كيف كان يلاحق الفراشات في حديقة بيتكم. كان يحب الحياة." تنهد العم بحزن.

نظرت "ليلى" إلى عمها، وابتسمت ابتسامة خجولة. "كان يحب رؤية الفراشات."

"نعم، نعم. أعرف." قال العم، ثم وجه حديثه إلى "ليلى" مباشرة. "كيف حالك يا ابنتي؟ سمعت عن ما حدث. قلبي معك. لكن تذكري، الأقوياء لا ينحنون للأحزان، بل يتحدونها."

"أحاول يا عمي. أحاول أن أجد قوتي." أجابت "ليلى" بصوت فيه بعض الثقة.

"هذا هو المهم. الحياة كالبحر، قد تهدأ أمواجه، وقد تثور. المهم هو أن نتعلم كيف نبحر بسفينتنا في كل الأحوال."

تحدث العم مع "سامي" عن عمله، وعن دراسته. ثم بدأ يتحدث عن ذكريات الطفولة، عن أيام كانت فيها الحياة أبسط، وأكثر براءة. كانت قصصه مليئة بالضحك والحنين، ونجح في إخراج "ليلى" من دائرة تفكيرها المغلق.

"أتذكرون عندما كنا نذهب إلى بيت جدكم في القرية؟" قال العم بابتسامة واسعة. "كانت الأيام أجمل. كنا نلعب في الحقول، ونأكل التمر من النخل مباشرة."

ضحك "أحمد" و"فاطمة" مع ذكرياتهم. حتى "ليلى" شاركت بضحكة خفيفة.

"هل تذكرين يا ليلى، عندما كنتِ صغيرة، وقعتِ من فوق الدراجة، وبكيتِ كثيرًا؟" سأل العم. "جاء خالد، حملكِ بين ذراعيه، وأخذكِ إلى المطبخ، وأعطاكِ قطعة حلوى. لقد نسيتِ ألمكِ فورًا."

ابتسمت "ليلى" وهي تتذكر. كانت صورة خالد وهو يحملها، وعيناه تلمعان بالشفقة، قد انحفرت في ذاكرتها. "نعم، أتذكر."

"هذه هي الحياة يا ابنتي. تمنحنا أيامًا جميلة، وتأخذ منا أحباء. لكنها تترك لنا ذكريات، ودروسًا. الأهم أن نتعلم كيف نعيش مع ما تبقى، لا أن نحزن على ما ذهب."

كانت كلمات العم كبلسم على جراحهم. شعر الجميع براحة أكبر بعد زيارته. بدأت "ليلى" تشعر بأن هناك بصيص أمل يلوح في الأفق. لم تختفِ الحزن تمامًا، ولم تتبخر الآلام، لكنها شعرت بأنها ليست وحدها في مواجهة هذا الحزن.

في المساء، بعد مغادرة العم، جلست "ليلى" مع "سامي" في غرفة المعيشة.

"كان العم لطيفًا حقًا." قالت "ليلى" وهي تتأمل.

"نعم، إنه يحمل دائمًا كلمات تشجعنا." قال "سامي". "هل تشعرين بتحسن قليل؟"

"قليلًا. أشعر أنني بدأت أرى الضوء في نهاية النفق. ربما… ربما حان الوقت لأفكر في العودة إلى حياتي."

نظر إليها "سامي" بعينين مليئتين بالأمل. "هذا رائع يا ليلى! أنا سعيد جدًا لسماع ذلك. مهما كان قرارك، سأدعمك."

"أعتقد أنني سأحاول العودة إلى الجامعة. أحتاج إلى شيء يشغل تفكيري، شيء يعيدني إلى الحياة."

"قرار حكيم. الدراسة كانت دائمًا شغفك."

"ولم يعد لدي وقت لأضيعه في الحزن. أريد أن أعيش، حقًا أن أعيش."

كانت تلك الليلة بداية جديدة لـ "ليلى". لم تكن نهاية رحلتها مع الحزن، بل بداية مرحلة جديدة، مرحلة تتسلل فيها همسات الأمل لتتغلب على صمت القلوب المتعبة. كانت تحديات جديدة تنتظرها، لكنها بدت أكثر استعدادًا لمواجهتها، مدعومة بحب عائلتها وكلمات عمها الحكيمة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%