صمت القلوب المتعبة
الفصل 18 — خطوات نحو التعافي
بقلم وفاء البكري
الفصل 18 — خطوات نحو التعافي
في الأسبوع التالي لزيارة العم، بدأت "ليلى" في اتخاذ خطوات جدية نحو التعافي. بعد نقاش طويل وهادئ مع والديها، قررت العودة إلى الجامعة. كانت الفكرة لا تزال تثير بعض القلق في نفسها، لكنها عرفت أن هذا هو الطريق الصحيح. "سامي" كان داعمًا لها بشكل كبير، يشجعها على كل خطوة تخطوها، ويطمئنها بأنها ليست وحدها.
"هل أنتِ متأكدة يا ليلى؟" سأل "أحمد" ببعض القلق، وهو يراقبها وهي تعد حقيبتها الدراسية. "لا نريد أن نضغط عليكِ."
"أنا متأكدة يا أبي." ابتسمت "ليلى" ابتسامة حقيقية هذه المرة. "أشعر بأنني مستعدة. أحتاج إلى أن أعود إلى روتيني، إلى عالمي الذي أحببته."
"ونحن سندعمكِ بكل ما أوتينا من قوة." قالت "فاطمة" وهي تضمها بحنان. "إذا احتجتِ أي شيء، فقط قولي."
"سامي" أصر على توصيلها إلى الجامعة في يومها الأول. كان ينتظرها أمام باب القصر، بسيارته، بكل شوق.
"هل أنتِ مستعدة لأكبر مغامرة؟" قال "سامي" بمرح وهو يفتح لها باب السيارة.
"أكثر استعدادًا من أي وقت مضى." أجابت "ليلى" وهي تدخل السيارة.
في الجامعة، شعرت "ليلى" بمزيج من المشاعر. كان المكان نفسه الذي اعتادت عليه، لكنها شعرت وكأنها تعود إليه بعد غياب طويل جدًا. بعض الوجوه كانت مألوفة، وبعضها الآخر جديد. عندما دخلت إلى قاعة المحاضرات، شعرت بنظرات بعض زملائها تتجه نحوها. كانت تعرف أن خبر رحيل "خالد" قد وصلهم، وأنهم ربما كانوا يتساءلون عن سبب غيابها.
"ليلى؟" سمعت صوتًا يناديها. استدارت لتجد "نورا"، زميلتها وصديقتها المقربة.
"نورا!" احتضنت "ليلى" صديقتها بقوة. "لقد اشتقت إليكِ كثيرًا."
"وأنا أيضًا يا ليلى. كنت قلقة عليكِ جدًا. لقد سمعت عن خالد… أنا آسفة جدًا." قالت "نورا" بصوت خافت، وعيناها تعكسان صدق مشاعرها.
"شكرًا لكِ يا نورا. لم يكن الأمر سهلًا."
"أعلم. لكنني سعيدة جدًا لرؤيتكِ هنا. الجامعة لم تكن كما هي بدونكِ."
خلال المحاضرات، وجدت "ليلى" صعوبة في التركيز في البداية. عقلها كان يذهب ويعود إلى ذكرياتها. لكن مع مرور الوقت، بدأت تستعيد قدرتها على التركيز. أستاذها، الذي كان يعرف بوضعها، كان يتجنب إلقاء الضوء عليها، ويعاملها كأي طالب آخر، مما ساعدها على الشعور بأنها ليست مجرد "الأرملة الحزينة".
في فترة الاستراحة، جلست "ليلى" مع "نورا" في الكافتيريا.
"هل أنتِ بخير حقًا؟" سألت "نورا" بجدية. "إذا كنتِ تشعرين بأنكِ لست مستعدة، يمكننا أن نقول لوالدكِ ونتحدث مع الجامعة."
"لا، أنا بخير." هزت "ليلى" رأسها. "أعتقد أنني بحاجة إلى هذا. بحاجة إلى أن أعود إلى حياتي الطبيعية. خالد كان يحب أن يراني سعيدة، وأن أكون ناجحة."
"نعم، كان دائمًا يتحدث عن طموحاتكِ."
"لقد وعدته أنني سأحققها." قالت "ليلى" وهي تنظر إلى الأفق، كأنها تراه.
بدأت "ليلى" تندمج تدريجيًا في حياتها الجامعية. كانت تحضر المحاضرات، وتقوم بواجباتها، وتقضي وقتًا مع "نورا" وزملائها الآخرين. لم تكن الأيام سهلة تمامًا، كانت هناك لحظات تشعر فيها بالحزن، ولحظات تتذكر فيها "خالد" وتبكي. لكنها بدأت تتعلم كيف تتعايش مع هذه المشاعر، وكيف تخرج منها أقوى.
في أحد الأيام، بينما كانت "ليلى" تبحث عن كتاب في مكتبة الجامعة، وقعت عينها على رف الكتب المخصصة للأدب. وجدت كتابًا كان "خالد" قد أهداها إياه في عيد ميلادها. كان كتاب شعر، وكان يحمل عبارة كتبها بخطه الجميل على الصفحة الأولى: "إلى حبيبتي ليلى، أتمنى أن تجدي في هذه الكلمات ما يعبر عن حب قلبي لكِ."
توقفت "ليلى" للحظات، تتنفس بعمق. أمسكت بالكتاب، وعادت إلى مقعدها المفضل في زاوية هادئة. بدأت تقرأ القصائد، واستشعرت وجود "خالد" بجانبها، كما لو كان يقرأ معها. كانت تلك اللحظات مؤثرة جدًا، لكنها لم تعد مؤلمة. كانت مليئة بالحنين، بالحب، وبالشكر.
عندما عادت إلى المنزل ذلك المساء، كانت "ليلى" تبدو مختلفة. كان هناك بريق جديد في عينيها، وهدوء في ملامحها.
"كيف كان يومكِ يا حبيبتي؟" سألت "فاطمة" بحنان.
"كان جيدًا جدًا يا أمي." أجابت "ليلى" وهي تجلس بجانبها. "لقد عدت إلى عالمي. عدت إلى الحياة."
"هذا ما أردناه دائمًا." قال "أحمد" وهو يبتسم.
"سامي" نظر إليها بفخر. "أنا فخور بكِ جدًا يا ليلى."
"شكرًا لكم جميعًا." قالت "ليلى"، وشعرت بدفء يغمر قلبها. "شكرًا لأنكم كنتم دائمًا بجانبي."
كانت خطواتها نحو التعافي بطيئة، لكنها ثابتة. كانت تعبر عن تفهمها للموت، وعن رغبتها في استعادة حياتها. لم تكن مجرد استعادة للحياة، بل كانت بناء لحياة جديدة، حياة تحمل في طياتها دروس الماضي، وتتطلع إلى مستقبل مشرق، مليء بالأمل والطموح. لقد بدأت قلوبهم المتعبة تتنفس مرة أخرى، وإن كان ذلك ببطء.