صمت القلوب المتعبة
الفصل 4 — غيمةٌ في سماءٍ صافية
بقلم وفاء البكري
الفصل 4 — غيمةٌ في سماءٍ صافية
كانت الأيام تمضي، وكان مشروع آل عبد الرحمن ينمو ببطءٍ ولكن بثبات. بدأت المحلات التجارية تتعامل معهم بثقة، وزادت الطلبات، وازداد رضا الزبائن. الحاج عبد الرحمن، وقد استعاد جزءاً من بريقه، كان يشرف على كل شيءٍ بعنايةٍ فائقة. السيدة فاطمة، بروحها المرحة التي عادت شيئاً فشيئاً، كانت تبتكر وصفاتٍ جديدة، وتجعل من المطبخ قلعةً للحياة. ليلى، أصبحت أكثر ثقةً بنفسها، وبدأت تتحدث بطلاقةٍ عن منتجاتهم، بل وبدأت تخطط لمرحلةٍ جديدةٍ من التوسع. وخالد، أصبح شاباً مسؤولاً، يجمع بين دراسته وعمله، وقد اكتسب احترام والديه، وشعر بفخرٍ كبيرٍ بدوره.
كانت السعادة تعود لتسكن أركان البيت، وبدأت الأصوات المبهجة تعلو فيه من جديد. حتى الأحاديث التي كانت تدور بين الزوجين، لم تعد تحمل ثقل الهموم، بل أصبحت مليئةً بالتخطيط للمستقبل، والأحلام التي بدأت تتحقق.
"أتصدقين يا فاطمة،" قال الحاج عبد الرحمن ذات مساءٍ وهو يحتسي كوباً من الشاي، "كنت أظن أنني لن أرى هذه الأيام مرةً أخرى."
ابتسمت السيدة فاطمة، وقالت: "الحمد لله. لقد كان الله معنا دائماً. وأنتم يا أبنائي، كنتم خير سندٍ لي."
"كلنا سندٌ لبعضنا البعض يا أمي،" قال خالد، وهو يضع كتابه جانباً.
"نعم،" وافقت ليلى. "ولكن لولا إصرار أبي، لما بدأنا أبداً."
"بل لولا إصراركم أنتم، لما استمررت،" قال الحاج عبد الرحمن بصدق.
في هذه الأجواء المبهجة، وبينما كانت السعادة تبدو وكأنها استقرت في بيت آل عبد الرحمن، ظهرت "غيمةٌ في سماءٍ صافية". كانت هذه الغيمة تحمل في طياتها خبراً لم يكن يتوقعه أحد.
في أحد الأيام، جاءت رسالةٌ رسميةٌ إلى بيت آل عبد الرحمن. كانت من المحكمة. فتح الحاج عبد الرحمن الرسالة بيدين مرتعشتين، وشعر بأن قلبه يخفق بقوة. كانت الرسالة تتعلق بقضيةٍ قديمةٍ، قضيةٌ كان قد ظن أنها قد طُويت إلى الأبد.
كانت القضية تتعلق بخلافٍ قديمٍ بين الحاج عبد الرحمن وشريكه السابق، السيد أحمد. يبدو أن السيد أحمد، بطريقته الملتوية، قد رفع دعوى قضائيةً جديدة، يدعي فيها أن الحاج عبد الرحمن قد أخذ منه بعض الأسرار التجارية، وأن المنتجات التي يصنعها آل عبد الرحمن هي في الأصل ملكٌ له.
شعر الحاج عبد الرحمن وكأن الأرض قد انشقت وابتلعته. لقد عاد شبح الماضي ليطارده.
"ما هذا؟" سأل وهو يرتجف، بعد أن قرأ جزءاً من الرسالة. "كيف لهذا الرجل أن يفعل هذا؟"
اجتمعت العائلة حوله، وبدأت ليلى تقرأ الرسالة كاملةً. كلما قرأت، ازدادت صدمتها.
"هذا غير معقول!" قالت ليلى بغضب. "كيف يدعي أن هذه الوصفات له؟ إنها وصفات جدتي!"
"هذه حيلٌ من أحمد،" قال الحاج عبد الرحمن بمرارة. "لقد رأى أننا ننجح، فأراد أن يأخذ كل شيءٍ منا."
شعرت السيدة فاطمة بالخوف، وقالت: "وماذا سنفعل الآن؟"
"سنتحرك،" قال الحاج عبد الرحمن، وقد استعاد جزءاً من رباطة جأشه، وإن كانت عيناه تحملان القلق. "لدينا ما يثبت أن هذه الوصفات لنا. لدينا وثائق، ولدينا شهود."
"لكن يا أبي،" قالت ليلى بتردد، "لقد قال أحمد أن لديه أدلةٌ قوية. ربما قد يكون هناك شيءٌ لا نعرفه."
"لا تقلقي يا ابنتي،" قال الحاج. "سنواجه هذا. لن نسمح له بأن يدمر ما بنيناه بتعبٍ وجهد."
في تلك الليلة، لم ينم أحدٌ في بيت آل عبد الرحمن. كانت المخاوف تتسارع في عقولهم. هل سينجح أحمد في تحقيق مبتغاه؟ هل سيخسرون كل ما بنوه؟
في اليوم التالي، ذهب الحاج عبد الرحمن إلى محامٍ متخصصٍ في القضايا التجارية. شرح له كل تفاصيل القضية، وأظهر له الوثائق القديمة، وبعض الرسائل التي تثبت ملكيته للوصفات.
قال المحامي بعد أن اطلع على الوثائق: "لديكم حظٌ جيد. الوثائق واضحة. لكن السيد أحمد يبدو أنه مستعدٌ جيداً، وقد يكون لديه بعض الحيل."
"ماذا تعني بالحيل؟" سأل الحاج عبد الرحمن بقلق.
"قد يحاول أن يستشهد بشهودٍ مزيفين، أو يقدم أدلةً زائفة،" قال المحامي. "علينا أن نستعد لكل الاحتمالات."
قرر الحاج عبد الرحمن أن يخبر أسرته بكل شيءٍ بوضوح. جمعهم في غرفة الجلوس، وحكى لهم عن القضية، وعن خطورة الموقف.
"لقد رفع السيد أحمد دعوى قضائيةً ضدنا،" قال الحاج بصوتٍ ثابت. "يدعي أن وصفاتنا هي ملكٌ له. لا أريد أن أخفي عنكم شيئاً. هذا الموقف قد يكون صعباً، وقد يؤثر على عملنا."
نظرت ليلى إلى والدها، وقالت: "لكننا لم نفعل شيئاً خاطئاً يا أبي. لدينا الأدلة."
"نعم،" قال الحاج. "لكن يجب أن نكون مستعدين. قد تكون هناك معركةٌ قانونيةٌ طويلة."
"لن نستسلم!" قال خالد بحماس. "سنقاتل من أجل حقنا."
"هذا هو الكلام الصحيح،" قال الحاج عبد الرحمن، وقد شعر ببعض القوة تعود إليه. "لن نستسلم. سنواجه هذا بكل ما لدينا."
كانت "الغيمة" قد ظهرت، لكنها لم تكن كافيةً لحجب الشمس تماماً. لقد أثارت القلق والخوف، لكنها أيضاً وحدت العائلة أكثر. لقد أدركوا أن التحديات قد تأتي من حيث لا يتوقعون، وأن الدفاع عن ما يبنونه يتطلب أكثر من مجرد العمل الجاد. يتطلب الصبر، والثبات، والإيمان بالحق.