نجمة في ليالي الفراق
الفصل 12 — رحلة إلى أروقة الذكريات
بقلم هند الزهراني
الفصل 12 — رحلة إلى أروقة الذكريات
انطلقت السيارة الصغيرة تحمل على متنها فاطمة، ليلى، وأحمد. سارة، زوجة أحمد، لم تستطع مرافقتهم بسبب ارتباطات عمل مفاجئة، لكنها ودعتهم بحرارة، وتمنت لهم رحلة موفقة. كانت الأجواء في السيارة ممزوجة بالترقب والحنين. فاطمة، بدموعها التي كانت تلمع في عينيها، كانت تنظر إلى الطريق الصحراوي الممتد أمامهم، وكأنها ترى فيه طريقًا طويلاً إلى الماضي. ليلى، بقلب ما زال يخفق ببعض القلق، كانت تحاول استيعاب المشاهد المتغيرة خارج النافذة، علها تجد فيها ما يريح روحها المضطربة. أما أحمد، فقد كان يقود السيارة بهدوء، وعيناه تركزان على الطريق، ولكنه كان يشعر بثقل المسؤولية الملقاة على عاتقه، مسؤولية إعادة بناء ما تهدم، وإصلاح ما انكسر.
وصلوا إلى القرية مع اقتراب الغروب. كانت القرية هادئة، تبعث على السكينة. بيوتها المتواضعة، شوارعها الترابية، وأشجارها الوارفة، كلها كانت تحمل عبق الماضي. بيت جدتهم، المبني من الطين والحجر، كان يقف شامخًا، وكأنه يحتضن تاريخ العائلة بأكمله. كان البيت فارغًا منذ سنوات، لكنه لم يفقد رونقه. فتح أحمد الباب الخشبي الثقيل، ودخلوا وهم يستنشقون رائحة التراب والذكريات.
"يا إلهي،" همست فاطمة وهي تضع يدها على صدرها، "كل شيء هنا كما هو. كأن الزمن توقف." مرت ليلى بين الغرف، تلمس الجدران، وتتأمل الأثاث القديم. كل قطعة كانت تحكي قصة، وكل زاوية كانت تحمل ذكرى. في غرفة والدها، وقفت أمام النافذة التي كان يحب الجلوس بجانبها. تذكرت كم كانت تحب أن تسمعه يقرأ لها القصص من هنا، عندما كانت طفلة صغيرة.
في المساء، أشعلوا بعض المصابيح الزيتية، وجلسوا حول طاولة الطعام التي بدت كأنها لم تُستخدم منذ عقود. أحمد أحضر بعض الأطعمة التي اشتروها في الطريق، وبدأت فاطمة تحضر بعض الأطباق التقليدية التي كانت تجيدها. خلال العشاء، بدأت الذكريات تتساقط كحبات المطر. تحدثت فاطمة عن طفولتها في هذه القرية، عن أيام الدراسة، وعن لقائها الأول بزوجها الراحل، والد ليلى وأحمد.
"أتذكر عندما جئت إلى هنا لأول مرة كعروس،" قالت فاطمة بصوت فيه بحة، "كان والدكم شابًا وسيمًا، ودودًا. كان الجميع يحبه. لقد بنينا هنا بيتًا مليئًا بالسعادة والحب." ابتسم أحمد وقال: "أتذكر عندما كنت طفلاً، كنت أحب أن أتسلق أشجار التين في حديقة جدتي. كنت أشعر وكأنني ملك الغابة." ليلى، التي كانت تستمع بصمت، بدأت تشعر بأنها بدأت تفهم والدها أكثر. كانت دائمًا تشعر بأنه شخص غامض، لكنها الآن بدأت ترى فيه الشاب الذي كان، والحبيب الذي كان.
في اليوم التالي، قرروا استكشاف محيط البيت. ذهبوا إلى البئر القديمة التي كانت جدتهم تحكي لهم عنها. كانت البئر عميقة، ومياهها باردة. تذكرت ليلى كيف كانت جدتها تحكي لها قصصًا عن الجن والأشباح التي تسكن البئر، وكيف كانت تخاف أن تقترب منها.
"كانت جدتي تحب إخافتنا بهذه القصص،" ضحكت فاطمة. "لكنها كانت في الحقيقة سيدة طيبة القلب، وحنونة جدًا." بينما كانوا يتجولون في الحديقة الخلفية، لمح أحمد شيئًا مدفونًا جزئيًا في الأرض. حفره ببطء، فوجد صندوقًا معدنيًا صغيرًا، قديمًا. حاول فتحه، لكنه كان مغلقًا بإحكام.
"ما هذا؟" سألت ليلى بفضول. "لا أعرف،" أجاب أحمد. "يبدو أنه صندوق قديم. ربما يكون والدنا قد خبأ شيئًا هنا." عادوا إلى البيت، وحاولوا جاهدين فتح الصندوق. بعد عدة محاولات، تمكنوا من فتحه. كان بداخله مجموعة من الرسائل، وصورة قديمة لوالدها وهو شاب، ويبدو سعيدًا جدًا. كانت الرسائل مكتوبة بخط يد والدها، وكانت موجهة إلى شخص اسمه "نور".
"من هي نور؟" تساءلت ليلى. قرأت فاطمة إحدى الرسائل. كانت تحمل مشاعر حب عميق، وعتابًا لطيفًا. "لا أعرف من هي نور. لم يذكر لي والدي قط عن وجود فتاة بهذا الاسم في حياته." بدأ أحمد يشعر بأن هناك شيئًا ما لا يزال مخفيًا. لم يكن يتذكر أن والده كان على علاقة بأي فتاة قبل والدته.
في تلك الليلة، جلست ليلى وحدها في غرفة والدها. فتحت الرسالة التي وجدتها في صندوقها الخشبي. كانت الرسالة تحمل تاريخًا قبل زواج والدها من والدتها. بدأت تقرأها بتمعن. كانت كلمات والدها تعبر عن حب عميق لشخص كان ينوي الزواج منها، لكن ظروفًا قاهرة حالت دون ذلك. كانت هناك إشارة إلى "وعد" قطعه لها.
"وعد؟" تمتمت ليلى. "ما هو الوعد؟" شعرت بأنها تقف على أعتاب اكتشاف كبير. بدأت تتذكر بعض الهمسات، وبعض النظرات التي كانت تراها بين والديها، والتي لم تفهم معناها حينها.
في الصباح التالي، وبينما كانوا يحتسون الشاي، قالت ليلى بحذر: "أمي، لقد وجدت رسالة لوالدي. كتب فيها عن حب كبير لشخص آخر قبل الزواج منكِ. هل كنتِ تعلمين بهذا؟" نظرت فاطمة إلى ابنتها بدهشة. "كيف؟" "لم أكن أعلم،" قالت ليلى. "لكن الرسالة تشير إلى أنه كان هناك وعد. هل لديكِ أي فكرة عن هذا؟" ساد صمت ثقيل في الغرفة. بدت فاطمة وكأنها تفكر بعمق. ثم قالت بصوت هادئ: "نعم، يا ليلى. كان هناك قصة. والدكِ كان يحب فتاة قبل أن يقابلني. اسمها نور. كانت فتاة رائعة، لكن عائلتها لم توافق على زواجهما. لقد كان حزينًا جدًا عندما اضطر إلى الانفصال عنها. لقد وعدها بأنه لن ينساها أبدًا."
صدمت ليلى. لم تتخيل أبدًا أن والدها، الرجل الذي كانت تراه دائمًا كالملاك، كان لديه مثل هذه القصة المعقدة. "لكنه تزوجني،" تابعت فاطمة، "لقد اخترتني. ولكنه لم ينس نور. كان دائمًا يشعر بالذنب تجاهها. كان يأمل أن يعوضها عن كل ما فقدته." "وهل ترك لها شيئًا؟" سألت ليلى. "نعم،" قالت فاطمة. "عندما علم أنني حامل بكِ، كتب لها رسالة يعتذر فيها، وأخبرته أنني سأحمل اسمه، وأنني سأكون ابنتنا. أرسل لها بعض المال الذي ادخره، وبعض المقتنيات الثمينة، وطلب منها أن تسامحه. لا أعرف إن كانت قد تلقت الرسالة أم لا."
أدركت ليلى أن هذه الرحلة لم تكن مجرد رحلة إلى بيت جدتها، بل كانت رحلة إلى أغوار الماضي، إلى أسرار لم تكن تعرفها. شعرت بأنها تفهم والدها بشكل أعمق، وبأنها بدأت ترى صورته الكاملة، بما فيها من حب، وحزن، وندم. هذه الاكتشافات، رغم أنها مؤلمة، إلا أنها كانت تحمل في طياتها إحساسًا بالتحرر، وكأنها بدأت تضع قطع أحجية حياتها في مكانها الصحيح.