نجمة في ليالي الفراق
الفصل 9 — أسرار تتكشف وندوب تلتئم
بقلم هند الزهراني
الفصل 9 — أسرار تتكشف وندوب تلتئم
لم تكن عودة "العم خالد" مجرد عودة شخص عادي، بل كانت بداية لسلسلة من الاكتشافات التي ستغير مجرى حياة "ليلى" وعائلتها. مع مرور الوقت، بدأ "العم خالد" يشعر بأن عبء السر الذي يحمله قد أصبح أثقل من أن يحتمله وحده. كان ينظر إلى "ليلى" وهي تنمو وتزدهر، وكان يشعر بشعور متزايد بالذنب لعدم كشفه عن الحقيقة كاملة.
في أحد الأيام، بينما كان "أبو سالم" و"أمينة" يجلسان مع "العم خالد" في شرفة المنزل، يتناولون الشاي في جو من الود، قرر "العم خالد" أن يتحدث.
"أبو سالم، أمينة، هناك شيء أريد أن أخبركم به. شيء مهم جدًا." قال بصوت جاد.
نظر إليه "أبو سالم" و"أمينة" بانتباه. "ما هو يا خالد؟ هل أنت بخير؟" سألت "أمينة" بقلق.
"أنا بخير، ولكن الأمر يتعلق بتلك الليلة. ليلة حادث والديّ ليلى."
تصلبت ملامح "أبو سالم". "ماذا تقصد؟"
"ما قلته لـ ليلى عن كوني قائد السيارة هو الحقيقة. ولكني لم أكن صادقًا معكم تمامًا."
"لم تكن صادقًا؟ كيف؟" سأل "أبو سالم" وقد ارتفعت نبرة صوته.
"في تلك الليلة، لم أكن وحدي في السيارة." قال "العم خالد" بصوت منخفض، وكأنه يخشى أن يكسر صمت الليل.
اتسعت عينا "أمينة". "لم تكن وحدك؟ ومن كان معك؟"
"كان معي… كان معي "فؤاد"."
توقف "أبو سالم" عن التنفس. "فؤاد؟ شقيق زوجتي؟"
"نعم. لقد كان هو. لقد كان هو من يقود السيارة."
صدمة كبرى ألقت بظلالها على المكان. "فؤاد" كان شقيق "أمينة" الأصغر، وقد توفي قبل سنوات من حادث والديّ "ليلى" في حادث سير منفصل.
"ولكن… كيف؟ فؤاد توفي قبل ذلك بسنوات!" قالت "أمينة" بصوت يرتجف.
"هذا ما كنت أريد أن أوضحه. في تلك الليلة، كان "فؤاد" قد عاد للتو من الخارج. كان قد وعدني بمساعدتي في مشروع تجاري، ولكنه كان يخفي عن الجميع أنه كان يعاني من ديون كبيرة. في تلك الليلة، كان في حالة يرثى لها. جاء إليّ يبكي، ويطلب مني مساعدته. عرضت عليه أن نذهب في جولة بالسيارة لنهدأ قليلًا. لم أكن أعلم أنه قد تناول شيئًا قد أثر على وعيه."
"شيئًا؟ ماذا تقصد؟" سأل "أبو سالم".
"كان… كان قد تعاطى نوعًا من المهدئات القوية. كان في حالة تشوش شديد. وعندما كنت أحاول أن أهدئه، استولى هو على مقود السيارة. وحاولت أن أوقفه، ولكن في خضم الفوضى، حدث الاصطدام."
"إذًا… أنت لم تكن قائد السيارة؟" سألت "أمينة" بصوت مليء بالألم.
"كنت أحاول منع ما حدث. ولكنني فشلت. وبعد الحادث، وبسبب الخوف والذعر، وبسبب معرفتي أن "فؤاد" كان في حالة غير طبيعية، خفت من التبعات. خفت أن يتهموه بالجريمة، وأن يتم وصمه حتى بعد موته. لقد كنت ضعيفًا، واخترت الهروب. قلت لهم إنني كنت أقود السيارة لأحمي ذكرى "فؤاد"."
"ولكن لماذا لم تخبرني "أمينة"؟" سأل "أبو سالم".
"لم أكن أعلم شيئًا. لقد أخبرني "خالد" بأن "فؤاد" هو من كان يقود. وعندما سألته عن تفاصيل، كان كلامه متناقضًا. ولكنني كنت في حالة صدمة شديدة، ولم أستطع التفكير بوضوح. ثم اختفى "خالد". وظننت أن الأمر برمته قد انتهى." قالت "أمينة" وهي تبكي.
"أنا آسف يا أمينة. لقد كنت جبانًا. لم أكن أدرك أن اختفائي سيترككم في الظلام هكذا." قال "العم خالد" بحزن.
"ولكن… والديّ ليلى؟ هل تأكدت حقًا أنهم…؟" سألت "ليلى" التي كانت تستمع إلى الحديث بصمت، وعيناها مملوءتان بالدموع.
"نعم يا ليلى. لقد تأكدت. لقد ذهبت إلى المستشفى بعد فترة، وسألت عنهم. لقد كانوا… لقد كانوا قد فارقوا الحياة." قال "العم خالد" وهو ينظر إلى الأرض.
شعرت "ليلى" بدوار. كل ما كانت تعتقده عن حادثها كان يتغير. لقد كان مؤلمًا أن تعرف أن "العم خالد" قد كذب عليها، ولكنها كانت تشعر أيضًا بالتعاطف معه. لقد كان شخصًا ضائعًا، يحاول التكفير عن خطأ فادح.
"ولكن لماذا لم تخبرني "ليلى" بكل هذا من قبل؟" سأل "أبو سالم".
"كنت خائفًا. خائفًا من ردة فعلك. وخائفًا من إيذاء "ليلى" أكثر. ولكنني الآن، لم أعد أحتمل هذا العبء. أريد أن أكون صادقًا معكم جميعًا."
"لقد مررنا بالكثير يا خالد. لقد تجاوزنا الكثير. أعتقد أننا نستطيع أن نتجاوز هذه الصدمة أيضًا." قال "أبو سالم" بعد لحظة تفكير.
"ولكن… ما هو مصير "فؤاد"؟ هل يعرف أحد بما حدث؟" سألت "أمينة".
"لم يخبرني أحد. أعتقد أن الأمر ظل سراً بيني وبين "فؤاد"."
"يا إلهي. إنها قصة مؤلمة جدًا." قالت "أمينة".
"نعم. ولكنها الحقيقة. وأنا الآن، أريد أن أعيش حياتي بصدق. أريد أن أكون بجانب "ليلى"، وأدعمها بكل ما أملك. وأريد أن أتعاون معكم في أي شيء تحتاجونه."
نظرت "ليلى" إلى "العم خالد". كان وجهه مليئًا بالندم، ولكن عيناه كانت تحملان صدقًا لم تره من قبل. شعرت بأنها لم تعد تحمل وحدها عبء الماضي. لقد أصبح عبئًا مشتركًا.
"أتفهم يا عمي. ربما لم يكن الأمر سهلًا عليك. ولكنني أريد أن أطلب منك شيئًا." قالت "ليلى".
"ماذا؟"
"لا تخبئ عنا شيئًا بعد الآن. كن معنا، وشاركنا كل شيء."
"أعدكِ بذلك يا ليلى." قال "العم خالد" بصدق.
في تلك الليلة، شعرت "ليلى" بأن ندوب الماضي بدأت تلتئم. لقد كشفت الأسرار، وحلت الشكوك. لم يكن الأمر سهلاً، ولكنه كان ضروريًا. لقد أدركت أن الحقيقة، مهما كانت مؤلمة، هي الطريق الوحيد للشفاء.