خيوط القدر المتشابكة
الفصل 7 — اعترافات متأخرة في ضوء القمر
بقلم وفاء البكري
الفصل 7 — اعترافات متأخرة في ضوء القمر
تسللت وحشة الليل إلى أرجاء المنزل، ملقية بظلالها الطويلة على جدران الغرف الصامتة. في الخارج، كانت السماء مرصعة بالنجوم، تتلألأ كألماس نثر على مخمل أسود، والقمر هلالي، يلقي بضوئه الفضي الخافت على الأشجار المتمايلة في الحديقة. داخل غرفة الجدة فاطمة، كان الهدوء يسود، لكنه هدوء مشوب بترقب. الجدة، لم تغمض لها عين منذ أن رأت صورة الرجل القديم. كانت تفكر، تتذكر، وتتساءل.
بعد منتصف الليل، عندما خلد الجميع للنوم، نهضت الجدة فاطمة. ارتدت عباءة صوفية ناعمة، وتوجهت نحو نافذة غرفتها. فتحتها بحذر، لتسمح لنسيم الليل البارد بالدخول، وليحمل معه رائحة الندى والأزهار. وقفت هناك، تتأمل صفحة السماء، كأنها تبحث عن إجابات بين النجوم.
فجأة، سمعت صوتاً خفيفاً قادماً من الخارج. صوت يشبه حفيف أوراق الشجر، لكنه أكثر إيقاعاً، أكثر انتظاماً. رفعت رأسها، ووجهت بصرها نحو الحديقة. تحت ضوء القمر الخافت، رأت ظلاً يتحرك بالقرب من الشجرة القديمة. كان الظل رجلاً.
تسارعت دقات قلب الجدة فاطمة. لم يكن مجرد ظل، كان رجلاً بالفعل. ارتعدت يداها وهي تقبض على حافة النافذة. هل هو نفس الرجل الذي تحدثت عنه سارة؟ هل هو الرجل في الصورة؟
بدأت الشكوك تتحول إلى يقين مؤلم. هذا الرجل، بوقفته، بشكله، كان يذكرها بشخص غاب منذ زمن بعيد. رجل تركت ذكراه أثراً لا يمحى في قلبها.
ترددت لبرهة، ثم قررت. لم تستطع البقاء واقفة مكتوفة الأيدي. هناك شيء ما في حضور هذا الرجل، في ظهوره المفاجئ، يدعوها إلى المواجهة. ربما حان الوقت لكشف الستار عن الماضي، مهما كان ثمن ذلك.
ارتدت حذاءها، وأخذت مصباحاً صغيراً، ثم خرجت من غرفتها بهدوء. نزلت الدرج بحذر، حتى لا تحدث صوتاً يوقظ أحداً. وصلت إلى باب الحديقة الخلفي، فتحته ببطء، وخرجت إلى الهواء الطلق.
كانت الأرضية الباردة تحت قدميها، والهواء النقي يلامس وجهها. توجهت نحو الشجرة القديمة، حيث رأت الظل. كلما اقتربت، زاد وضوح معالم الرجل. كان طويل القامة، ذو بنية قوية. كان يرتدي ملابس داكنة، كما وصفت سارة.
عندما اقتربت بما يكفي، استدار الرجل. رفعت الجدة فاطمة المصباح قليلاً، ليضيء وجهه. تجمدت في مكانها. لم يكن هو. لم يكن الرجل الذي كانت تتوقعه، ولا الرجل الذي تخافه. كان رجلاً آخر، يبدو في منتصف العمر، وجهه يحمل آثار حزن وتعب، وعيناه تبدوان عميقتين، مليئتين بقصة لم تُروَ.
نطق الرجل بصوت فيه رجفة خفيفة: "هل أنتِ السيدة فاطمة؟"
أومأت الجدة فاطمة برأسها بصمت. كان صوت الرجل غريباً، لكنه لم يكن مهدداً.
قال الرجل، وهو يقترب خطوة: "أتمنى ألا أكون قد أزعجتكِ. اسمي خالد. كنت... كنت أرغب في التحدث إليكِ منذ فترة."
"خالد؟" كررت الجدة فاطمة الاسم، كأنها تحاول تذكره. "لم أسمع بهذا الاسم من قبل."
ابتسم خالد ابتسامة باهتة، فيها مرارة. "ربما لم تسمعي به. لكن اسمي مرتبط بشخص تعرفينه جيداً. شخص... كان له مكانة خاصة في حياتكِ."
شعر قلب الجدة فاطمة بنبضة قوية. "من تقصد؟" سألت بصوت حاد.
قال خالد: "أقصد... والدكِ. والدكِ، أحمد."
انخلع قلب الجدة فاطمة. والدها؟ كيف؟ من يكون هذا الرجل؟ والدها توفي منذ سنوات طويلة، ولم يترك له أحفاداً غيرهم.
"كيف تعرف والدي؟" سألت، وصوتها يرتجف. "ومن أنت؟"
تنهد خالد، واقترب أكثر، لكنه حافظ على مسافة احترام. "أنا... أنا ابن عم والدكِ. أحمد كان شقيقي الأكبر. لم يلتقِ والدينا منذ زمن طويل، ولم يكن يعرف بوجودي. اكتشفت وجوده بالصدفة، وبدأت أبحث عن عائلته. عندما علمت بوفاته، قررت أن آتي. أن أقدم التعازي، وأن أتعرف على عائلته."
نظرت الجدة فاطمة إلى خالد، تحاول أن تستوعب كلماته. ابن عم؟ لم تكن تعرف أن لوالدها أخاً آخر. والدها كان دائماً يتحدث عن حياته كابن وحيد. هل كان يكذب؟ أم أن هناك سراً آخر؟
"لكن... والدي لم يذكر قط أن له أخاً." قالت الجدة فاطمة، وعيناها مليئتان بالحيرة.
قال خالد: "ربما لم يرغب في الحديث عن الأمر. كانت هناك خلافات قديمة بين والدينا. أنا... أنا لم أعرف والدي إلا متأخراً. لم ألتقِ بأحمد إلا قبل وفاته بسنوات قليلة، ولم نتبادل الكثير من الأحاديث. لكنني علمت أنه ترك عائلة. زوجة وابنة. أنتِ."
بدأت الجدة فاطمة تشعر بدوار. كل ما كانت تعرفه عن والدها، عن حياته، بدأ يتلاشى. هل كان كل ما سمعته عن والده مجرد وهم؟
"هل... هل يمكنك أن تثبت ذلك؟" سألت بصوت خافت.
أخرج خالد من جيبه صورة قديمة أخرى. صورة لرجلين شابين، يقفان جنباً إلى جنب، يبتسمان. كان أحدهما يشبه والدها بشكل كبير.
"هذه الصورة..." قالت الجدة فاطمة، وعيناها مغرورتان بالدموع. "هذا والدي."
"وهذا أنا." قال خالد، مشيراً إلى الرجل الآخر. "كنا صغاراً هنا. لم نكن نعرف أننا سنفترق هكذا."
نظرت الجدة فاطمة إلى خالد، ثم إلى الصورة. كانت ترى فيها تشابهاً عائلياً واضحاً. هذا الرجل، خالد، كان يحمل جزءاً من ماضي والدها، جزءاً كانت هي تجهله تماماً.
"لماذا لم تأتِ من قبل؟" سألت، بصوت فيه بحة.
قال خالد: "كنت أبحث عنكِ. لم يكن لدي عنوانكِ. علمت أنكِ تعيشين هنا، لكنني لم أكن متأكداً. كنت أراقب المنزل من بعيد، أحاول أن أجد طريقة للتحدث إليكِ دون أن أزعج أحداً."
"والآن، ماذا تريد؟" سألت الجدة فاطمة، وقد بدأت مشاعر مختلطة تتصارع في قلبها. فضول، حيرة، وربما... وربما شعور بالذنب تجاه والدها الذي لم تعرفه جيداً.
قال خالد: "لا أريد شيئاً. فقط أردت أن أقدم نفسي. أن أعرفكم. وأن أعرف المزيد عن أخي... عن والدكِ. علمت أنه ترك لكِ هذا المنزل، وبعض الذكريات. أتمنى أن تكوني سعيدة هنا."
شعرت الجدة فاطمة بضعف غريب. هذا اللقاء، في هذا الوقت المتأخر من الليل، تحت ضوء القمر، كان أشبه بحلم. لكنه كان واقعاً. واقع جديد، يحمل معه فصلاً لم تتخيله أبداً في حياتها.
"تفضل بالدخول." قالت الجدة فاطمة، بصوت فيه دعوة حقيقية. "ربما... ربما علينا أن نتحدث أكثر. وأن تعرف عائلتي أيضاً. مريم، وسارة."
ابتسم خالد ابتسامة صادقة هذه المرة. "سأكون ممتناً جداً."
صعدا الدرج معاً، والدة وسارة، يتشاركان صمت الحديقة، وصمت الليل، وصمت الأسرار التي بدأت تتكشف. كانت الجدة فاطمة تشعر بثقل المسؤولية، لكنها أيضاً شعرت بنوع من الراحة. أخيراً، بدأت خيوط الماضي تتضح، وبدأت تفهم والدها بشكل أعمق.
في داخل المنزل، جلسا في غرفة المعيشة. أشعلت الجدة فاطمة مصباحاً خافتاً، وبدأت تروي لخالد عن والدها، عن حياتها، عن مريم وسارة. وخالد، بدوره، روى لها عن طفولته، وعن علاقته بأبيه، وعن بحثه الطويل عن عائلته.
كانت كلماتهم تتداخل، كأنها أغنية قديمة، تعود للحياة بعد سبات طويل. كانت اعترافات متأخرة، في ضوء القمر، تحمل معها بداية فصل جديد، فصل قد يكون مليئاً بالتحديات، ولكنه بالتأكيد فصل أكثر صدقاً، وأكثر اكتمالاً.