خيوط القدر المتشابكة

الفصل 9 — البحث عن الأثر: خطوة نحو المجهول

بقلم وفاء البكري

الفصل 9 — البحث عن الأثر: خطوة نحو المجهول

استيقظت الجدة فاطمة في اليوم التالي، وشعور مختلف يغمرها. لم يكن شعور الحزن الذي اعتادت عليه، بل كان مزيجاً من التصميم والأمل. كانت قرار البحث عن ليلى قد اتخذ، والآن حان وقت العمل.

بعد الفطور، جلست الجدة فاطمة مع مريم وخالد في غرفة المعيشة. كانت الغرفة تعج بالهدوء، لكن العيون كانت تتحدث بلغة الجدية.

"أولاً، نحتاج إلى جمع كل المعلومات التي لدينا." قالت الجدة فاطمة. "ماذا تعرفين عن ليلى يا خالد؟ هل كان والدكِ يذكر أي تفاصيل عنها؟"

فكر خالد للحظة، ثم قال: "والدي لم يكن يذكر الكثير. كان يقول إنها كانت فتاة رائعة، ذات قلب طيب. وأنها اختفت فجأة، بعد خلاف بسيط بينها وبين أحمد. كان يقول إنها ربما سافرت، أو ربما... ربما حدث لها مكروه."

"خلاف بسيط؟" كررت الجدة فاطمة. "والدي لم يذكر لي شيئاً عن خلاف."

"ربما لم يكن يريد أن يثقل عليكِ." قال خالد. "كان يحبها كثيراً، وكان اختفاؤها ألماً عظيماً له. ربما كان يحاول أن يحمينا من هذا الألم."

"وماذا عن العنوان؟" سألت مريم. "هل كان لوالدكِ عنوان لليلى؟ أو لأي من أقاربها؟"

"لم يذكر لي والدي عنواناً محدداً." قال خالد. "كان يقول إنها كانت تعيش بمفردها في المدينة، لكنها كانت تزور عائلتها بين الحين والآخر في القرية المجاورة."

"القرية المجاورة؟" قالت الجدة فاطمة. "هل تعرف اسم هذه القرية؟"

"لا، لم يذكر الاسم." قال خالد. "كانت ذكرياته عن تلك الفترة مشوشة."

بدأت الجدة فاطمة تشعر بالإحباط قليلاً. المعلومات كانت قليلة جداً. لكنها تذكرت شيئاً.

"انتظروا." قالت. "عندما كنت صغيرة، كان والدي يحتفظ بصندوق قديم، فيه بعض الأوراق والرسائل. لم أتجرأ على فتحه منذ زمن طويل. ربما... ربما تكون هناك رسائل من ليلى، أو عن ليلى، في ذلك الصندوق."

نهضت الجدة فاطمة، وتوجهت نحو غرفة قديمة، كانت تستخدم للتخزين. بعد قليل، عادت تحمل صندوقاً خشبياً كبيراً، يبدو عليه القدم. وضعته على طاولة القهوة، وبدأوا ينظرون إليه بترقب.

فتحت الجدة فاطمة الصندوق ببطء. كانت رائحة الورق القديم تفوح منه. بدأت تقلب في محتوياته. كانت هناك صور قديمة، وبعض الأوراق الرسمية، وعدد من الرسائل.

"هذه رسائل من والدي إلى والدته." قالت الجدة فاطمة. "وهذه... هذه شهادة ميلاد أبي."

ثم، رفعت يدها، وأمسكت برزمة من الرسائل، كانت مربوطة بشريط حريري باهت. كانت الرسائل مكتوبة بخط يد أنيق، ولكنه حزين.

"هذه الرسائل..." قالت الجدة فاطمة، وصوتها يرتجف. "هذه رسائل من ليلى."

بدأت تقرأ بصوت مسموع. كانت الرسائل تحكي قصة حب عميقة، عن شوق، وعن لقاءات سرية، وعن أحلام مشتركة. كانت تتحدث عن رغبة ليلى في بناء مستقبل مع أحمد، عن حبها الكبير له.

"انظروا هنا." قالت الجدة فاطمة، وهي تشير إلى فقرة في إحدى الرسائل. "تقول ليلى إنها ستسافر إلى بيت جدتها في قرية 'الزيتون الأخضر' لبضعة أسابيع، لترتاح من ضغوط العمل. وتقول إنها ستكتب له فور وصولها."

"قرية الزيتون الأخضر!" هتف خالد. "أذكر أن والدي كان يذكر هذه القرية. قال إنها قريبة من المدينة، وأن عائلة ليلى كانت تقيم فيها."

"هذه هي! هذه هي! لقد وجدنا أثراً!" قالت مريم، وعيناها تلمعان بالحماس. "يجب أن نذهب إلى هناك فوراً."

"لكن... كيف سنبحث؟" سألت الجدة فاطمة. "لقد مرت سنوات طويلة. ربما لم يعد أحد من عائلة ليلى هناك."

"سنحاول." قال خالد. "ربما نجد بعض السكان القدامى، الذين يتذكرون ليلى أو عائلتها."

اتفقوا على خطة. غداً، سيتوجهون إلى قرية الزيتون الأخضر. الجدة فاطمة، مريم، وخالد. سارة ستبقى مع الجارة الموثوقة.

كان الليل مليئاً بالأفكار. كانت الجدة فاطمة تشعر بقلق ممزوج بالأمل. هل سيعثرون على أي شيء؟ هل سيكتشفون ما حدث لليلى؟

في اليوم التالي، انطلقوا في رحلتهم. كانت قرية الزيتون الأخضر قرية صغيرة وهادئة، تقع بين التلال الخضراء، وتحيط بها بساتين الزيتون. بدت البيوت بسيطة، والطرق ترابية.

عند وصولهم، بدأوا يسألون السكان. تحدثوا مع بائع في بقالة قديمة، ومع امرأة عجوز تجلس أمام منزلها. في البداية، لم يكن أحد يتذكر ليلى. مرت سنوات طويلة، والذكريات تتلاشى.

لكن، عندما وصفوا ليلى، وأشاروا إلى صورة قديمة من رسائلها، بدأت بعض الوجوه تعود إليها الذكريات.

"آه... ليلى." قالت امرأة عجوز، وهي تضع يدها على قلبها. "نعم، أتذكرها. كانت فتاة جميلة، طيبة القلب. كانت تزور جدتها دائماً."

"هل تتذكرين أين كانت تسكن جدتها؟" سألت مريم.

"نعم، بيت صغير في نهاية القرية." قالت العجوز. "لكن... لم تعد جدتها موجودة منذ زمن طويل. والبيت... أصبح مهجوراً."

شعرت الجدة فاطمة بخيبة أمل. بيت مهجور. هل هذا يعني أن كل شيء قد انتهى؟

"هل تتذكرين ما حدث لها؟" سألت خالد. "هل تعرفين لماذا اختفت؟"

نظرت العجوز إلى السماء، وكأنها تبحث عن إجابة. "لقد سمعنا أنها غادرت المدينة. البعض قال إنها سافرت، والبعض قال إنها... ربما حدث لها شيء."

"هل كان لديها أي أقارب آخرين في القرية؟" سألت الجدة فاطمة.

"كان لديها عم، لكنه سافر منذ سنوات طويلة." قالت العجوز. "لم يعد أحد يعرف عنه شيئاً."

واصلوا بحثهم، ولكن دون جدوى. كان الأثر خافتاً، يكاد يختفي. شعروا بالإرهاق، وشعروا بأنهم قد وصلوا إلى طريق مسدود.

عندما كانوا على وشك المغادرة، اقترب منهم رجل في منتصف العمر، كان يعمل في الحقل المجاور.

"هل تبحثون عن ليلى؟" سأل.

نظروا إليه بترقب. "نعم." قال خالد. "هل تعرفها؟"

"أنا ابن عم ليلى." قال الرجل. "اسمي حسن. أبي هو عمها الذي سافر."

شعروا جميعاً بالارتياح. أخيراً، وجدوا شخصاً يعرفها.

"عائلتي لم تنس ليلى أبداً." قال حسن. "كنا نبحث عنها أيضاً، لكننا لم نعرف كيف نجدها. والدها كان دائماً حزيناً على اختفائها. هل... هل تعرفون ما حدث لها؟"

"لا." قالت الجدة فاطمة. "نحن نبحث عن الحقيقة. كنا نظن أن عائلتها... ربما كانت تعلم شيئاً."

"أعرف القليل." قال حسن. "قبل أن تختفي، كانت ليلى في خلاف مع خطيبها، أحمد. كانت سعيدة جداً به، لكن حدث شيء جعلهما يتشاجران. بعد ذلك، اختفت. ولم يعد أحد يعرف عنها شيئاً. كان أبي يحاول الاتصال بأحمد، لكنه لم يكن يرد."

"هذا ما حدث." قالت الجدة فاطمة، وعيناها مليئتان بالألم. "اختفاء غامض، وخلاف لم يُحل."

"ربما إذا تحدثنا مع والدي، الذي هو عمي، قد نعرف المزيد." قال حسن. "إنه يعيش في قرية أخرى، لكنه سيعود قريباً."

شعروا ببريق أمل جديد. قد يكون حسن هو المفتاح لكشف اللغز. قد يكون لديه المعلومات التي يبحثون عنها.

"سنكون ممتنين جداً إذا ساعدتنا." قالت مريم.

"سأفعل كل ما بوسعي." قال حسن. "ليلى كانت جزءاً من عائلتنا. ولن نرتاح حتى نعرف ما حدث لها."

كانت رحلة البحث عن الأثر قد بدأت، وكانت الخطوات الأولى نحو المجهول. لم يعرفوا ما الذي سيجدونه، لكنهم كانوا مصممين على متابعة هذه الخيوط، مهما كانت بعيدة، ومهما كانت متشابكة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%