وردة في صحراء الخلاف
بالتأكيد، إليك الفصول الخمسة الأولى من رواية "وردة في صحراء الخلاف":
بقلم أمل الشمري
بالتأكيد، إليك الفصول الخمسة الأولى من رواية "وردة في صحراء الخلاف":
الفصل 1 — هبوب رياح التغيير
كانت الشمس تلقي بأشعتها الذهبية على قرية "وادي النسيم"، ترسم ظلالاً طويلة من أشجار النخيل المتمايلة، وتلون رمال الصحراء بلون الذهب السائل. في بيت متواضع، تفوح منه رائحة الهيل والقهوة العربية، استيقظت "سلمى" على صوت جدتها "أمينة" وهي تناديها بترنيمٍ هادئ: "يا سلمى، يا نور عيني، لقد أشرقت شمس يوم جديد".
كانت جدتها، ذات الوجه المجعد الذي يحكي قصص السنين، تمثل لها العالم كله. فقدت سلمى والديها وهي صغيرة، ونشأت في كنف جدتها الحنون، التي غرست فيها حب العلم والأدب، وشجعتها على قراءة الكتب والتأمل في آيات الله في الكون. كانت سلمى فتاة رقيقة، ذات عينين واسعتين كبحرٍ صافٍ، وشعر أسود كسواد الليل، تتزين به خصلات يانعة. كانت تمتلك روحاً نقية، وقلباً رحيماً، ولكن خلف هذا الهدوء الظاهري، كانت تختبئ طموحاتٌ كبيرة ورغبةٌ دفينة في رؤية عالمٍ أفضل.
في ذلك الصباح، جلست سلمى بجانب جدتها على بسطٍ قديم، تتناولان إفطارهما البسيط. كانت أمينة، بسكوتها الذي لا يكسره إلا صوتٌ حنون، تنظر إلى حفيدتها بعينين مليئتين بالحب والقلق. كان هناك شيءٌ يقلق بالها، أمرٌ أثقل على صدرها وأراد لها أن تبوح به.
"جدتي"، بدأت سلمى بصوتٍ خافت، "ما الذي يشغل بالك؟ تبدين وكأنك تحملين هموم الدنيا".
ابتسمت أمينة ابتسامة باهتة، ومسحت على رأس سلمى بحنان. "لا تقلقي يا ابنتي، إنها مجرد أفكارٍ تراودني". ثم تركتها للحظات، وتناولت كوب القهوة. "سلمى، أتذكرين حديثنا عن الزواج؟"
ارتعش قلب سلمى قليلاً. كانت تعلم أن هذا الموضوع سيأتي يوماً. كانت تراها، فتيات القرية، يتزوجن في سن مبكرة، ويقضين حياتهن في رعاية البيوت والأطفال، بينما هي تحلم بأن تكون معلمة، تنشر العلم في هذه القرية النائية.
"نعم جدتي، أتذكر".
"لقد تقدم لكِ ابن عمكِ، "علي"، هذا الأسبوع. إنه شابٌ طيب، وذو خلقٍ كريم. والدته، "فاطمة"، كانت تخبرني دائماً عن حسن خلقه وتدينه. أظن أنه سيكون زوجاً صالحاً لكِ".
كان علي، ابن عمها، شاباً قوياً، اعتاد على العمل في الأرض، وكان يحترم عائلته احتراماً بالغاً. كانت تربطه بسلمى علاقة أبناء عمومة طبيعية، لم تتعدَ حدود الاحترام المتبادل. لم تفكر فيه يوماً كزوج، ولم يفكر هو بها كذلك على ما يبدو.
"لكن يا جدتي"، حاولت سلمى أن تعبر عن أفكارها دون أن تجرح مشاعرها، "أنا ما زلت صغيرة. أريد أن أواصل دراستي. أريد أن أصبح معلمة. أريد أن أرى العالم قبل أن أستقر".
أمسكت أمينة بيد سلمى بقوة. "يا ابنتي، العمر لا ينتظر. والحياة فرص. قد لا تأتي مثل هذه الفرصة مرة أخرى. عليٌ رجلٌ يعتمد عليه. سيوفر لكِ حياةً كريمة. وهذا هو الأهم".
شعرت سلمى بغصة في حلقها. كانت تفهم كلام جدتها، وتدرك أن أمينة لا تريد لها إلا الخير، ولكن أحلامها كانت أكبر من حدود القرية. شعرت بأنها محاصرة، كطائرٍ صغيرٍ يحلم بالتحليق ولكنه مقيدٌ بسلاسل.
"ولكن يا جدتي، هل سأكون سعيدة؟ هل سيحترمني زوجي؟ هل سيسمح لي بأن أواصل القراءة والتعلم؟"
تنهدت أمينة بعمق. "السعادة يا سلمى، ليست في الأشياء الخارجية. السعادة تكمن في القلب. وعليٌ رجلٌ طيب، أعرف معدنه. وبالنسبة للعلم، فالعلم لا يتعارض مع الدين أو الزواج. بالعكس، العلم يفتح أبواب الفهم والتدبر. ربما يستطيع زوجكِ أن يدعمكِ في طموحاتكِ".
كانت كلمات جدتها تحمل شيئاً من الأمل، ولكنه كان أملاً واهناً. شعرت سلمى بأنها تخوض معركةً خاسرة. لم يكن الأمر يتعلق بـ "علي" نفسه، بل بما يمثله: نهاية أحلامها، بداية حياةٍ قد لا تكون هي من اختارتها.
في تلك الأثناء، طرق باب البيت. تقدمت أمينة لتفتح، وإذا بـ "فاطمة"، والدة علي، تقف على العتبة، تحمل طبقاً من التمر والحلويات. كانت فاطمة امرأةٌ جادة، تحمل في عينيها بساطة أهل البادية، ولكنها كانت تملك عزيمةً قوية.
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، قالت فاطمة بصوتٍ رخيم.
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته"، أجابت أمينة. "تفضلي يا فاطمة".
دخلت فاطمة، وبعد التحيات والاطمئنان على الأحوال، جلست مقابل سلمى. ألقت نظرةً على سلمى، ثم التفتت إلى أمينة.
"لقد تحدثت مع علي، وهو مصرٌ على طلبه. يرغب في إتمام الزواج قبل موسم الحج. يقول إنه لا يريد أن يدع فرصةً كهذه تفوته. وهو معجبٌ بابنة أخيكِ، ويعرف صلاحها وطيبتها".
نظرت فاطمة إلى سلمى نظرةً تحمل الكثير من المعاني، مزيجاً من الإعجاب والتوقع. شعرت سلمى بالخجل، ووارَت وجهها قليلاً.
"ما رأيكِ يا أمينة؟ أنا أثق برأيكِ. سلمى فتاةٌ طيبة، وستكون خير زوجة لعلي".
كانت أمينة تنظر بين فاطمة وسلمى. كانت ترى إصرار فاطمة، ورغبة ابنها، وقلق حفيدتها. كان عليها أن تتخذ قراراً، قراراً سيغير مجرى حياة سلمى.
"عليٌ شابٌ مبارك"، قالت أمينة بصوتٍ هادئ، "ولكن سلمى... سلمى لها أحلامها. هي لم تعتد على الزواج بعد".
قاطعت فاطمة بحزمٍ لطيف: "الزواج هو بيتُ البنت يا أمينة. ومع الزواج تأتي مسؤولياتٌ جديدة، وحياةٌ جديدة. أعتقد أن سلمى قادرةٌ على التكيف. هي ذكيةٌ وسريعة التعلم. وعليٌ سيقدر طيبتها".
شعرت سلمى بأن الوقت يداهمها، وأنها تفقد السيطرة على مصيرها. كان عليها أن تتكلم، أن تعبر عن شعورها بكل قوة، ولكن الكلمات تاهت منها.
"جدتي"، قالت بصوتٍ مختنق، "أرجوكِ... أعطني فرصةً أخرى. أرجوكِ".
نظرت أمينة إلى جدتها بعينين دامعتين، تحملان مزيجاً من الأمل والتوسل. استمرت فاطمة في النظر إليها، تنتظر ردها.
"يا فاطمة"، قالت أمينة أخيراً، بعد صمتٍ طويل، "إن ابنة أخي غاليةٌ علي. وما زالت صغيرة. أرجو أن تتفهمي. سأتحدث معها، وسنرى ما هو الأفضل لها ولنا".
ابتسمت فاطمة ابتسامةً عريضة، ولكنها كانت تحمل شيئاً من الإحباط. "حسناً يا أمينة. ولكن لا تتأخري في الرد. عليٌ لن ينتظر طويلاً".
نهضت فاطمة، وبعد وداعٍ قصير، غادرت البيت. تركت وراءها صمتاً ثقيلاً، لم تكسره إلا دقات قلب سلمى المتسارعة.
"جدتي"، قالت سلمى وهي تحتضن يد جدتها، "أرجوكِ... لا تجبريني على شيءٍ لا أريده".
عانقت أمينة حفيدتها بقوة. "لن أجبركِ يا ابنتي. ولكن أرجو أن تفكري جيداً. الحياة ليست دائماً كما نتمنى. وفي بعض الأحيان، يكون علينا أن نختار الطريق الأقل ألماً".
كانت رياح التغيير قد بدأت تهب على "وادي النسيم"، ووضعت سلمى أمام مفترق طرقٍ صعب. لم تكن تعلم أي طريقٍ ستختار، ولكنها كانت تعلم أن قرارها سيحدد مستقبلها، وأنها قد تضطر لخوض معركةٍ لا تعرف نتيجتها.