وردة في صحراء الخلاف
الفصل 2 — همسات الماضي ووعود المستقبل
بقلم أمل الشمري
الفصل 2 — همسات الماضي ووعود المستقبل
في تلك الليلة، لم تستطع سلمى النوم. تقلبت في فراشها، وعيناها تحدقان في سقف الغرفة المظلم. كانت صور جدتها، وعلي، وفاطمة، تتراقص أمامها. كانت تشعر بثقلٍ لا تحتمله، ثقلٌ ناجمٌ عن الخوف والتردد.
"هل عليٌ حقاً يريدني؟" تساءلت في نفسها. "أم أن هذا مجرد واجبٍ اجتماعي؟" كان عليٌ بالنسبة لها مجرد ابن عمٍ بعيد، لم تتجاوز علاقتها به حدود اللقاءات العائلية القليلة. كانت تعرف أنه شابٌ طيب، ولكن هل يصل هذا إلى حد الزواج؟
ثم عادت بذاكرتها إلى والدها، الذي فقدته في حادثٍ في الصحراء، ووالدتها التي لحقت به بعد عامٍ من الحزن. كانت جدتها هي الملجأ الوحيد لها، وهي التي غرست فيها حب القراءة، وفتحت لها أبواب المعرفة. كانت ترى في التعليم أملها الوحيد في الخروج من دائرة الحياة التقليدية.
"ماذا لو تزوجت؟" فكرت. "هل سأضطر لترك كتبي؟ هل سأتوقف عن التعلم؟" كان هذا هو الهاجس الأكبر لديها. كانت ترى في المعرفة نوراً يضيء دروب الحياة، وكانت تخشى أن ينطفئ هذا النور.
بعد ساعاتٍ طويلة، قررت سلمى أن تتحدث مع جدتها مرة أخرى. تسللت بخفةٍ إلى غرفة أمينة، فوجدتها مستيقظة، تتلو آياتٍ من القرآن الكريم بصوتٍ خافت.
"جدتي؟" نادت بصوتٍ خافت.
التفتت أمينة، وأشارت لها بالاقتراب. "ما زلتِ مستيقظة يا ابنتي؟"
جلست سلمى بجوارها، وقالت: "لم أستطع النوم. ما زلت أفكر فيما حدث اليوم".
ابتسمت أمينة ابتسامةً حنونة. "أعلم يا صغيرتي. ولكن الحياة يا سلمى، مليئةٌ بالمفاجآت والاختيارات الصعبة. وأحياناً، علينا أن نختار الطريق الذي يبدو لنا الأقل سوءاً، على أمل أن يتحسن كل شيءٍ مع الوقت".
"ولكن يا جدتي، كيف لي أن أتزوج شخصاً لا أعرفه جيداً؟ شخصاً لم أشعر معه بأي شيءٍ سوى الاحترام؟"
"الحب يأتي يا سلمى"، قالت أمينة بهدوء، "ليس دائماً بالحب من أول نظرة. أحياناً، يبدأ بالاحترام، ثم بالمودة، ثم ينمو ليصبح حباً قوياً. وعليٌ، كما قلت لكِ، شابٌ طيب. أعرف عائلته جيداً. هم أهلٌ وكرمٌ وأصالة. وسوف يرعونكِ".
"ولكن طموحي يا جدتي؟ أحلامي؟ هل سأضطر للتخلي عنها؟"
تنهدت أمينة. "لا يا ابنتي. لا أحد يستطيع أن يمنعكِ من التعلم، إلا أنتِ. إذا أردتِ العلم، فسوف تجدينه. ربما يكون زوجكِ خير معينٍ لكِ. وربما، بعد أن تستقري، تستطيعين أن تتابعي دراستكِ عن بعد، أو أن تتعلمي ما تريدينه. الحياة لا تتوقف عند الزواج".
"ولكن المجتمع يا جدتي؟ هل سيقبلون بفتاةٍ متعلمة، تتجاوز دورها التقليدي؟"
"المجتمع يتغير يا سلمى. ربما ليس بالسرعة التي نريدها، ولكن التغيير قادم. وأنتِ، بعلمكِ وأخلاقكِ، تستطيعين أن تكوني قدوةً حسنة. أن تثبتي أن المرأة يمكن أن تكون زوجةً صالحة، وأماً رائعة، ومتعلمةً وناجحةً في حياتها".
كانت كلمات جدتها تحمل منطقاً قوياً، ولكن قلب سلمى كان ما زال مضطرباً. كانت تتخيل مستقبلها مع علي، حياةً ربما تكون هادئة ومستقرة، ولكن هل ستكون مليئةً بالسعادة؟ هل ستجد نفسها؟
"جدتي"، قالت سلمى بعد صمتٍ قصير، "هل أستطيع أن أتحدث مع علي؟ أن أتحدث معه بصراحة عن أحلامي؟"
نظرت أمينة إلى حفيدتها بعينين مليئتين بالحب. "فكرةٌ جيدة يا ابنتي. إذا كان عليٌ فعلاً رجلاً كما تقول أمه، فسوف يحترم رغباتكِ. ولكن كوني حذرةً في كلامكِ. اختاري كلماتكِ بعناية. وأظهري له أنكِ لا تسعين للرفض، بل تسعين لفهمٍ متبادل".
في صباح اليوم التالي، استيقظت سلمى بشعورٍ جديد. لم يعد الخوف هو المسيطر، بل رغبةٌ في المواجهة. كانت تعلم أن هذا قد يكون مفتاح نجاتها، أو تأكيداً لأسوأ مخاوفها.
ذهبت إلى بيت عمها، حيث وجدت عليٌ يساعد والدته في ترتيب بعض الأغراض. كان عليٌ شاباً وسيماً، بعينين زرقاوين حادتين، وابتسامةٍ صادقة. عندما رآها، ابتسم لها ابتسامةً خجولة، وقال: "أهلاً بكِ يا سلمى".
"أهلاً بك يا علي"، ردت بصوتٍ حاولت أن تملأه بالثقة.
"هل تسمح لي والدتكِ يا أم علي، أن آخذ سلمى قليلاً، لنتحدث في أمرٍ مهم؟" سألت أمينة.
وافقت فاطمة، وأشارت لهما بالذهاب. سار عليٌ وسلمى جنباً إلى جنب، في اتجاه بستان النخيل القريب. كانت الشمس قد ارتفعت، والشمس تطل على القرية ببهائها.
"سلمى"، بدأ عليٌ بصوتٍ خافت، "أنا سعيدٌ بطلبكِ. لقد تحدثت مع والدتي، وأعرف أنها تحدثت مع جدتكِ. أنا معجبٌ بكِ، وبأخلاقكِ، وأتمنى أن تكوني زوجتي".
شعرت سلمى بالخجل، ولكنها جمعت شجاعتها. "شكراً لك يا علي. وأنا أيضاً أحترمك، وأعرف أنك شابٌ طيب".
"ولكن..." بدأت، "ولكن لدي أحلامٌ وطموحاتٌ كبيرة. أريد أن أواصل دراستي، وأن أصبح معلمة. أخشى أن يمنعني الزواج من تحقيق ذلك".
نظر عليٌ إليها، وارتسمت على وجهه تعابيرٌ تحمل مزيجاً من الدهشة والتفكير. لم يتوقع هذا الحديث.
"معلمة؟" قال ببطء. "هذا شيءٌ نادرٌ هنا. هل أنتِ متأكدة؟"
"نعم يا علي. أحب العلم، وأحب أن أنشر المعرفة. أرى أن هذا واجبي تجاه مجتمعي. وأخشى أن أتزوج وأنا أشعر بأنني لم أحقق ذاتي".
صمت عليٌ للحظات، وبدا كأنه يخوض معركةً داخلية. ثم قال: "أنا لم أفكر في هذا الأمر من قبل. لم أكن أعرف أن لديكِ مثل هذه الأحلام الكبيرة".
"وهل هذا يزعجك؟" سألت سلمى بقلق.
"لا، ليس بالضرورة"، قال عليٌ، "ولكنني أحتاج لبعض الوقت لأفكر. أنا شابٌ تقليدي، ولكنني أؤمن بأن للمرأة حقها. إذا كنتِ تريدين أن تتعلمي، فربما نستطيع أن نجد طريقة".
"ولكن هل ستدعمني؟ هل ستشجعني؟"
"سأفكر في الأمر جيداً يا سلمى. أريد أن أفهم ما تعنيه هذه الأحلام بالنسبة لكِ. ولكن أريد منكِ أيضاً أن تفهمي مسؤوليات الزواج. وأنكِ ستكونين جزءاً من عائلة، وسيكون لديكِ دورٌ مهمٌ في بيتكِ".
"أنا أفهم ذلك يا علي. وأنا مستعدةٌ لتحمل المسؤولية. ولكنني أريد أيضاً أن أحتفظ بجزءٍ من نفسي، جزءٍ يتعلق بطموحاتي".
تنهد عليٌ. "حسناً. سأفكر في الأمر. وسأتحدث مع والدتي. ولكن أرجو أن تفكري أنتِ أيضاً. الزواج قرارٌ مصيري لكلينا".
عاد عليٌ وسلمى إلى بيت عمها، وقلب كل منهما يعج بالأفكار. لم يكن الجواب واضحاً، ولم تكن النتيجة محسومة. ولكن كان هناك بصيص أمل. كان عليٌ على الأقل مستعداً للاستماع، وللتفكير. وهذا كان أكثر مما كانت تتمناه سلمى.
عندما عادت سلمى إلى جدتها، حكت لها كل شيء. ابتسمت أمينة. "هذا جيد يا ابنتي. الخطوة الأولى هي أن يتحدث الناس عن مشاعرهم وأفكارهم. الآن، علينا أن ننتظر ونرى. ولكن تذكري، يا سلمى، أن الحب ينمو، وأن الظروف تتغير. وقد تجدين أن المستقبل يحمل لكِ ما هو أجمل مما تتخيلين".
كانت تلك الأيام مليئةً بالترقب. كانت سلمى تشعر بأنها تقف على حافة مصيرها، تنتظر الرياح لتحدد اتجاهها. كانت قد ألقت ببذور طموحاتها في أرضٍ ربما تكون خصبة، وربما تكون قاحلة.