وردة في صحراء الخلاف
الفصل 22 — همسات في أذن الشيخ وحكمة تتجلى
بقلم أمل الشمري
الفصل 22 — همسات في أذن الشيخ وحكمة تتجلى
كانت الشمس قد بدأت ترتفع، ناشرةً أشعتها الذهبية على رمال الصحراء، تبعث الدفء والأمل في نفوس سكان الواحة. استيقظ الشيخ سالم من نومه، وقلبه مثقلٌ بما جرى في الأيام الماضية. كان يرى في ليلى امتداداً لروح جدتها زينب، القوة والعناد في الدفاع عن الحق، والحكمة في اتخاذ القرارات. ولكنه كان أيضاً يرى فيها ضعف الشباب، والانجراف خلف المشاعر.
دخلت الغرفة أميرة، بهدوءٍ وسكينة، تحمل معها صينيةً عليها فنجانان من القهوة العربية. ابتسم الشيخ سالم ابتسامةً باهتة، وأشار لها بالجلوس.
"صباح الخير يا شيخ سالم"، قالت أميرة بصوتٍ هادئ.
"صباح النور يا أميرة. يبدو أنكِ لم تنامي جيداً."
"القلق يسرق النوم من العينين أحياناً."
"وهل هذا القلق على ليلى؟"
"على ليلى، وعلى العائلة كلها. أنا أعلم أن ما حدث قد أزعجك كثيراً، ولكن ليلةً تفكر بعمق. لقد رات ما لم يره الآخرون."
وضع الشيخ سالم فنجانه جانباً، ونظر إلى أميرة بعينين تملؤهما التساؤلات. "ما الذي راته يا أميرة؟ وما الذي تودين أن تفهميني إياه؟"
"ليلى لم تكن تسعى للتمرد يا شيخ سالم. لقد كانت تسعى لحماية سمعة هذه العائلة، ولتجنب كارثةٍ وشيكة. قرارها بعدم الزواج من فهد لم يكن قراراً متعجلاً، بل كان مبنياً على رؤيةٍ واضحة."
"ولكن كيف؟ فهد رجلٌ طيب، ولم يظهر منه ما يدعو للشك."
"نعم، فهد رجلٌ طيب، وهذا ما جعل الأمر أكثر صعوبة. ولكن، ليلى اكتشفت أمراً يتعلق بوالده، السيد سليمان. يبدو أن هناك ديوناً قديمة، وديوناً كبيرة، تطارده. وكان زواج فهد من ليلى، وزواج أختها من ابن عم فهد، سيكون بمثابة صفقةٍ لتغطية هذه الديون."
تساءلت أميرة بعينيها، "هل ترضى يا شيخ سالم أن تُستخدم ابنتانا كأدوات في مثل هذه الصفقات؟ هل ترضى أن تُزفّ ابنتكِ إلى بيتٍ قد يكون غارقاً في مشاكل مالية لا قبل لنا بها؟"
صمت الشيخ سالم لدقائق، يفكر فيما تقوله أميرة. لم يكن يعلم بكل هذه التفاصيل. كان يرى فقط ما بدا ظاهراً، وكان يشعر بالضيق لأن ابنته لم تستشر أحداً.
"ولكن، لماذا لم تخبرنا ليلى بهذا من قبل؟" سأل الشيخ سالم، وما زالت نبرة الحيرة باديةً على صوته.
"لقد حاولت يا شيخ سالم. حاولت أن تتحدث مع والدها، ولكن والدها كان يرى أن سمعة العائلة أهم من أي تفاصيل أخرى. كان يرى أن رفض الزواج هو ما سيسبب لنا العار. وليلى، في محاولتها لحماية كرامتها وكرامة عائلتها، اضطرت لاتخاذ قرارها دون إثارة المزيد من اللغط. كانت تخشى أن يظن الجميع أن فهد لا يستحقها، وهذا ما كان سيزيد الأمور سوءاً."
"وهل أنتِ متأكدةٌ من هذا الكلام؟"
"أنا متأكدةٌ من صدق ليلى. لقد رأيتُ الحزن في عينيها، ورأيتُ الإصرار على فعل الصواب. أما عن السيد سليمان، فقد تأكدتُ من بعض الأمور من مصادر موثوقة. لقد كان يبحث عن حلولٍ سريعة لمشاكله المالية، وهذا الزواج كان سيحقق له ذلك."
تنهد الشيخ سالم وقال: "لقد وضعتِني أمام أمرٍ جلل يا أميرة. لم أكن لأتخيل أن الأمور بهذه التعقيد. ولكن، ما الذي فعلته ليلى الآن؟ هل تخلت عن كل شيء؟"
"ليلى لم تتخل عن شيء يا شيخ سالم. هي فقط اختارت طريقاً آخر. طريقاً لا يعتمد على صفقاتٍ خفية، بل على الصدق والوضوح. هي متمسكةٌ بكرامتها، وكرامة عائلتها. وهي أيضاً متمسكةٌ بإيمانها بأن الله لن يخذلها."
"ولكن، ماذا عن العروس الأخرى؟ ابنتها الأخرى؟"
"وهذا ما يقلقني أيضاً. يبدو أن والد فهد كان يخطط لزواج مزدوج. وهذا يعني أن ابنتنا الأخرى قد تكون في خطر. ليلى كانت تحاول حماية الجميع."
وقف الشيخ سالم، وبدأ يتمشى في الغرفة. كان يفكر بعمق. كانت هذه العائلة هي كل ما يملك، وكان يرى في ابنتيه زهرتين يجب أن تُحاطا بالرعاية والحماية.
"ماذا تقترحين يا أميرة؟" سأل.
"أقترح أن نجتمع مع ليلى، وأن نستمع إليها جيداً. ثم، لنذهب أنا وأنتِ إلى والدها، ونوضح له ما اكتشفناه. ثم، سنتحدث مع الشيخ سليمان، ولكن بحذر. لن نكشف كل شيء، ولكن سنضع النقاط على الحروف. يجب أن نعرف ما هو مصير ابنتنا الأخرى، وأن نؤمن مستقبلها."
"هذا يبدو حلاً حكيماً. لقد أثبتت ليلى أنها أذكى مما كنا نظن. ربما كان عليّ أن أثق بحدسها أكثر."
"الظروف كانت صعبة يا شيخ سالم. الجميع كان تحت ضغط. المهم الآن هو أن نتكاتف، وأن نجد حلاً لهذه المشكلة."
نظرت أميرة إلى الشيخ سالم، وشعرت بأن بارقة أمل قد تجلت. لقد بدأ الرجل الحكيم في فهم الصورة كاملة.
"ولكن، كيف سنواجه والدها؟ هو عنيدٌ جداً."
"سنواجهه بالحقائق، وبالمنطق. وسنذكره بأننا جميعاً نعمل من أجل مصلحة العائلة. وأنه يجب عليه أن يضع خلافاته الشخصية جانباً."
"هذا يتطلب شجاعةً كبيرة."
"الشجاعة تأتي من الإيمان يا شيخ سالم. وإيماننا بأننا على حق هو ما سيمنحنا القوة."
ابتسم الشيخ سالم ابتسامةً أكثر ثقة، وقال: "حسناً يا أميرة. سنفعل ما قلتِ. سنجمع ليلى، ثم سنتجه إلى والدها. وسنواجه الشيخ سليمان. لن نسمح بأن تُستخدم بناتنا في صفقاتٍ مشبوهة. ليلى وردةٌ في صحراء الخلاف، وستظل وردةً. ولن ندع أحداً يدوسها."
شعرت أميرة بالارتياح. لقد كان الشيخ سالم هو ركيزة هذه العائلة، وبدء فهمه هو بداية الحل. كانت تعلم أن الطريق لن يكون سهلاً، ولكنها كانت على ثقةٍ بأنهم سيجدون الطريق الصحيح، وأن ليلى ستجد السكينة التي تستحقها.