ضحكات تحت سماء واحدة
الفصل 2 — همسات في أروقة الماضي
بقلم هند الزهراني
الفصل 2 — همسات في أروقة الماضي
كانت الشمس تميل نحو الغروب، ملقيةً خيوطها الذهبية على مباني المدينة. وصل أحمد إلى منزل أخيه عبد الله، الذي يقع في حيٍ هادئٍ على مشارف البلدة. كان المنزل ذا طرازٍ قديم، ببابٍ خشبيٍ كبيرٍ مزينٍ بنقوشٍ باهتة، ونوافذَ ذاتِ شرفاتٍ حديدية. وقف أحمد لحظةً يتأمل الواجهة، وكأنه يحاول استعادة صورٍ من الماضي.
طرق الباب، وبعد لحظاتٍ فُتح الباب ليكشف عن وجه عمهم عبد الله. كان رجلًا في منتصف الستينات، نحيفًا، يرتدي ملابس بسيطة، لكن عينيه كانتا تحملان بريقًا حادًا رغم الإرهاق الذي بدا عليه.
"أهلاً أحمد، تفضل بالدخول." قال عبد الله بصوتٍ حاول أن يظهر فيه الترحيب. "أهلاً بك يا أخي. كيف حالك؟" رد أحمد وهو يدخل إلى المنزل.
كانت رائحة البخور الممزوجة برائحة الكتب القديمة تملأ المكان. الأثاث كان باهتًا، وبعض الغرف تبدو وكأنها لم تُستخدم منذ فترة. في غرفة المعيشة، جلس الرجلان على كرسيين مريحين. وضع أحمد أمامه بعض التمور وكوبًا من القهوة.
"كيف كان يومك؟" سأل أحمد ليبدأ الحديث. "كما تعودت، يومٌ آخر يمضي. أقرأ، وأتذكر." أجاب عبد الله بابتسامةٍ حزينة.
بعد فترةٍ من الحديث العام، بدأ أحمد يدخل في صلب الموضوع. "عبد الله، لقد سمعت... سمعت أنك تفكر في بيع المنزل." صمت عبد الله للحظة، وارتشف من قهوته. "نعم، هذا صحيح." "لماذا؟" سأل أحمد بلهجةٍ تحمل القلق. "هل أنت بخير؟ هل تحتاج إلى شيء؟"
تنهد عبد الله. "أحمد، أنا لست شابًا بعد الآن. وزوجتي أمينة رحلت منذ سنوات، والأولاد منتشرون في بلادٍ بعيدة. هذا المنزل كبيرٌ جدًا عليّ. أحتاج إلى مكانٍ أصغر، مكانٍ يسهل عليّ الاعتناء به."
"ولكن هذا المنزل هو تاريخنا كله! هو بيت أمينة، وبيت والدنا وجدتنا. هو المكان الذي نشأنا فيه جميعًا." قال أحمد بجدية. "أعلم ذلك يا أحمد. ولكن الماضي يبقى ماضيًا. والحياة تستمر."
"هل أنت متأكد؟ لم تفكر في خياراتٍ أخرى؟ ربما يمكننا المساعدة؟" نظر عبد الله إلى أخيه. "أحمد، أنت تعلم أنني لا أحب أن أثقل على أحد. لقد حاولت أن أجد حلولاً، ولكن... الأمر معقد."
"ما هو التعقيد؟" أصر أحمد. "ربما يمكننا أن نشتري المنزل نحن، نحن وعائلتنا. يمكننا أن نتكاتف." ابتسم عبد الله ابتسامةً عريضة. "يا لك من طيب القلب يا أحمد. فكرةٌ جميلة، ولكنها صعبة التحقيق. أنتم لديكم مسؤولياتكم، لديكم عائلاتكم وأبناؤكم. لا أريد أن أضع عبئًا إضافيًا عليكم."
"هذا ليس عبئًا، هذا واجب. هذا منزل جدتنا، وهي لم تعد موجودة لتدافع عنه. ونحن، أحفادها، يجب أن نفعل ذلك." "أنا لا أريد أن أفرض على أحدٍ شيئًا. المنزل في النهاية ملكي، وقراري أصبح حاسمًا." قال عبد الله بصرامةٍ حاول أن يخفي بها حزنه.
شعر أحمد بالإحباط، لكنه لم يستسلم. "عبد الله، هل يمكنك أن تعطيني بعض الوقت؟ أريد أن أتحدث مع العائلة. ربما نجد حلاً يرضيك ويرضينا." فكر عبد الله قليلًا. "لا بأس. أعطني أسبوعًا. إذا لم تجدوا حلاً، سأبدأ في إجراءات البيع."
خرج أحمد من منزل أخيه وهو يشعر بثقلٍ كبير. كان يعلم أن عمته ليلى، والدة ليلى، كانت متعلقةً جدًا بهذا المنزل، وأن بيعه سيؤثر عليها لو كانت على قيد الحياة. الآن، يجب أن يواجه هذا الأمر مع ابنته وحفيدته.
في اليوم التالي، جمع أحمد عائلته. شرح لهم ما دار بينه وبين عبد الله. "إذًا، لدينا أسبوع واحد فقط؟" سألت سعاد بقلق. "نعم، هذا ما قاله أخي." "يجب أن نفعل شيئًا!" قالت منال بحماس. "يمكننا أن نبدأ بحملة تبرعات بين الأقارب والأصدقاء. الكثير من الناس يحبون عمي عبد الله، وسيكونون سعداء بالمساعدة." "فكرةٌ جيدة يا منال،" قال أحمد. "ولكن يجب أن نكون شفافين. يجب أن يعرف الجميع أن هذه الأموال مخصصة لشراء منزل عمي، وليس لمجرد التبرع." "ماذا عن ليلى؟" سأل خالد. "لم تتحدث." كانت ليلى جالسةً بصمت، تفكر بعمق. "أبي، جدتي، أنا لدي فكرة." التفت الجميع إليها. "تفضلي يا ابنتي." "عمي عبد الله يحب الكتب. لديه مكتبةٌ ضخمةٌ في المنزل. ربما يمكننا أن ننظم معرضًا للكتاب القديم؟ نبيع بعض الكتب النادرة التي يملكها، ونضيف إليها بعض الكتب التي لدينا. جزءٌ من الأرباح يمكن أن يذهب لعمي، والجزء الآخر يمكن أن نستخدمه كدفعةٍ لشراء المنزل."
نظر أحمد إلى ابنته بفخر. "فكرةٌ رائعة يا ليلى! هذه طريقةٌ ذكيةٌ جدًا. إنها تجمع بين شغفه وشغفنا، وتوفر لنا مصدرًا للمال." "نعم!" قالت منال وهي تصفق بيدها. "سأساعد في تنظيم المعرض." "وأنا سأساعد في فرز الكتب وإعدادها للبيع،" أضاف خالد. "سنكون جميعًا معك يا ليلى،" قالت سعاد بحنان.
بدأ الجميع في العمل بحماس. كانت ليلى تتولى التنظيم والتنسيق. كانت تقضي ساعاتٍ طويلةً في مكتبة عمها، تفرز الكتب، وتقرأ عناوينها، وتشعر بأنها تقترب أكثر من ذكريات عائلتها. كانت تكتشف كتبًا لم ترها من قبل، بعضها كتبٌ أدبيةٌ قديمة، وبعضها الآخر موسوعاتٌ علميةٌ نادرة.
في أحد الأيام، أثناء فرز الكتب، وجدت ليلى صندوقًا خشبيًا صغيرًا مخبأً خلف رف الكتب. كان مغلقًا بقفلٍ صدئ. استدعت والدها. "ما هذا يا أبي؟" "لا أدري. ربما هو شيءٌ قديمٌ تركه جدي." بعد جهدٍ، تمكن أحمد من فتح القفل. انفتحت أبواب الصندوق ليكشف عن مجموعةٍ من الرسائل القديمة، وصورةٌ بالأبيض والأسود لزوجة عمها أمينة وهي شابة، وبعض المجوهرات البسيطة.
فتحت ليلى الرسائل بعناية. كانت مكتوبةً بخطٍ جميل، تحمل تواريخ تعود إلى سنواتٍ عديدة. كانت رسائل حبٍ بين والدتها ووالدها، ورسائل أخرى بين والدتها وعمتها أمينة. قرأت ليلى بعض الفقرات، وشعرت بدموع تنهمر على خديها. كانت هذه الرسائل هي الأثر الوحيد المتبقي من أصواتٍ غابت.
"انظري يا أبي، هذه رسالةٌ من أمي إلى عمتي أمينة، يصفان فيها حلمهما ببناء أسرةٍ سعيدةٍ في هذا المنزل." نظر أحمد إلى الرسالة، ثم إلى صورة أمينة. "لقد كانت أمينة امرأةً رائعة. كان حبهما قويًا."
واصلت ليلى قراءة الرسائل، وشعرت بقربٍ أكبر من والديها، ومن عائلتها. أدركت أن هذا المنزل ليس مجرد حجرٍ وطوب، بل هو مستودعٌ للحب، وللأحلام، وللذكريات التي يجب الحفاظ عليها.
بعد أيامٍ قليلة، اجتمعوا مرةً أخرى. "لدينا الآن ما يقارب نصف المبلغ الذي نحتاجه،" قال أحمد. "ولكن لا أعتقد أن هذا يكفي لإقناع عبد الله." "ماذا سنفعل؟" سألت سعاد بقلق. "يجب أن نحاول. سنذهب إليه غدًا، ونعرض عليه ما جمعناه، ونشرح له خطتنا. لعل قلبه يلين."
كانت ليلى تأمل أن ينجحوا. كان لديها شعورٌ بأن هذا ليس مجرد منزل، بل هو مستقبل. مستقبلٌ ترغب في بنائه، مستقبلٌ تملؤه الضحكات، كما في عنوان روايتهم.