أجنحة الأمل المكسورة

بالتأكيد، إليك الفصول المطلوبة من رواية "أجنحة الأمل المكسورة":

بقلم وفاء البكري

بالتأكيد، إليك الفصول المطلوبة من رواية "أجنحة الأمل المكسورة":

الفصل 16 — لقاءٌ في حضرةِ الماضي

تسللت خيوطُ الشمسِ الأولى عبرَ ستائرِ غرفةِ فاطمةَ، لترسمَ على وجهِها النائمِ خطوطاً ذهبيةً بدت وكأنها تودُّ أن تُوقظَها بلطفٍ من سباتِها العميق. فتحت فاطمةُ عينيها ببطء، فاستقبلتها تفاصيلُ الغرفةِ المألوفة، لكنَّ شيئاً ما كان مختلفاً في ذاكرتِها، شعورٌ غامضٌ يختلطُ فيهِ الحنينُ بالألم، والأملُ بالخوف. كانت ليلةُ أمسِ قد تركتْ بصماتِها، كلماتُ جدتِها، وصورةُ يوسفَ في ذاكرتِها، كلُّ ذلكَ تراقصَ في عقلِها كأحلامٍ متناثرة.

نهضتْ بخفةٍ، وخطتْ نحو النافذةِ تطلُّ على حديقةِ المنزلِ التي بدأتْ تستيقظُ على ألوانِ الصباح. الزهورُ المتفتحة، وقطراتُ الندى المتلألئة، كلُّ شيءٍ بدا نقياً وهادئاً، وكأنهُ يتحدّى ضجيجَ الأفكارِ المتصارعةِ داخلَها. جلستْ على حافةِ النافذة، تستنشقُ عبيرَ الهواءِ المنعش، وتحاولُ لملمةَ شتاتِ روحِها.

في تلكَ الأثناء، كانَ أحمدُ يستعدُّ للخروجِ من منزلِ جدتِهِ، بعدَ أن أمضى ليلةً طويلةً في التفكيرِ والحديثِ معها. كانتْ كلماتُ جدتِهِ كالمرايا، تعكسُ لهُ جوانبَ من شخصيتِهِ كانَ قد أغفلَها، وتُذكرهُ بمسؤولياتٍ كانَ قد تناساها. وجدَ نفسَهُ واقفاً أمامَ بابِ الغرفةِ التي تقيمُ فيها والدتُهُ، يستأذنُ بالدخولِ بصوتٍ خافت.

"تفضَّل يا بني." جاءَ صوتُ والدتِهِ هادئاً، لكنَّهُ يحملُ في طياتِهِ قلقاً مكتوماً.

دخلَ أحمدُ، ورآها جالسةً على السرير، تنظرُ إليهِ بعينينِ واسعتينِ تحملانِ مزيجاً من الأسى والحيرة. "صباح الخير يا أمي."

"صباح النور يا حبيبي. كيفَ حالُ جدتِكَ؟"

"إنها بخير، وشكراً لكِ على عنايتِكِ بها." قالَ أحمدُ، ثمَّ جلسَ بجوارِها. "لقد تحدثتُ معها طويلاً البارحة."

"وماذا قالت؟" سألتْ بصوتٍ يكادُ يكونُ هامساً.

تنهدَ أحمدُ وقالَ: "قالتْ الكثير. عن الماضي، عن أخطاءِ الماضي. وعنكَ، يا أمي."

توقفَ قليلاً، ثمَّ أكملَ: "قالتْ إنها كانتْ مخطئةً في حقِّكَ، وأنها لم تكنْ تفهمُ حجمَ الألمِ الذي تسببَتْ فيه. وأنها تتمنى لو أنَّ الزمنَ يعودُ بها لتُصححَ ما فات."

ارتعشَ صوتُ الأمِّ وهي تقول: "أتمنى ذلكَ أنا أيضاً يا بني. أتمنى لو أنَّ تلكَ السنواتِ لم تضيعْ هكذا."

"ولكنَّ الأملَ لا يزالُ موجوداً يا أمي. جدتي قالتْ إنَّ الوقتَ لم يتأخرْ بعدُ لإصلاحِ ما يمكنُ إصلاحُه."

نظرتْ إليهِ بعيونٍ دامعةٍ، وقالتْ: "أنا أخشى يا أحمد. أخشى أنْ تكونَ الجراحُ أعمقَ مما نتخيل. وأنْ يكونَ الفراقُ قد زرعَ في القلوبِ أشياءَ لا يمكنُ اقتلاعُها."

"ولكنَّ الحبَّ يا أمي أقوى من كلِّ شيء. حبُّ العائلة، حبُّ الأبناء. ألم تشعرْ جدتي بذلكَ؟"

"شعرتْ بهِ، ولكنَّ العنادَ والكبرياءَ قد غطَّيا على صوتِ العقلِ والحكمة. وها نحنُ ندفعُ ثمنَ ذلكَ."

في تلكَ اللحظة، دخلتْ فاطمةُ الغرفةَ، وبعدَ أنْ سلّمتْ عليهم، سألتْ: "ماذا تتناقشون؟"

نظرَ أحمدُ إلى والدتِهِ، ثمَّ إلى فاطمة، وقالَ: "نتحدثُ عن جدتي، وعن ماضينا."

ابتسمتْ فاطمةُ بضعفٍ وقالتْ: "الماضي لهُ أشباحٌ لا تزالُ تسكنُ أرواحَنا. ولكنَّ الحاضرَ هوَ ما نمتلكُهُ، والمستقبلُ هوَ ما نصنعُهُ."

"وهل يمكنُنا حقاً أنْ نصنعَ مستقبلاً أفضلَ بعدَ كلِّ ما حدث؟" سألتْ الأمُّ بصوتٍ مليءٍ بالشك.

"إذا تضافرتْ قلوبُنا، وعملنا معاً، فسوفَ نتمكنُ بإذنِ الله." قالتْ فاطمةُ، وعيناها تشعُّ بقوةٍ هادئة.

في وقتٍ لاحقٍ من ذلكَ اليوم، قررتْ فاطمةُ أنْ تزورَ منزلَ عمِّها، الحاجَّ إبراهيم. لم تكنْ قدْ زارتهُ منذُ سنواتٍ طويلة، ولم تكنْ متأكدةً من ردِّ فعلِهِ، خاصةً بعدَ ما حدثَ معَ ابنِهِ يوسف. لكنَّ شعوراً قوياً دفعَها إلى ذلك، شعورٌ بأنَّ هناكَ شيئاً مهماً يجبُ أنْ يُقالَ، أو يُسمع.

وقفتْ أمامَ البابِ الكبيرِ لمنزلِ عمِّها، استجمعتْ أنفاسَها، ثمَّ ضغطتْ على الجرس. فتحَ البابَ الحاجُّ إبراهيم بنفسِهِ، بدا عليهِ أنهُ متفاجئٌ برؤيتِها.

"فاطمة؟ ما الذي أتى بكِ إلى هنا؟" سألَ بصوتٍ يحملُ بعضَ الدهشة.

"مساء الخير يا عمي. هل تسمحُ لي بالدخولِ للحظات؟ لديَّ أمرٌ هامٌّ لأتحدثَ معكَ فيه."

تردَّدَ الحاجُّ إبراهيمُ للحظة، ثمَّ قالَ: "تفضَّلي."

دخلتْ فاطمةُ إلى الصالون، وجدتِ الأثاثَ القديمَ كما هوَ، لكنَّ الغبارَ كانَ قدْ غطَّى بعضَ الزوايا، وشعورٌ بالوحشةِ كانَ يلفُّ المكان. جلستْ على أريكةٍ قبالةَ عمِّها، وعيناها تتجولانِ في المكان، تلتقطانِ تفاصيلَ كانتْ جزءاً من ذكرياتِ طفولتِها.

"أعلمُ أنَّكَ قدْ تفاجأتْ بزيارتي." قالتْ فاطمةُ وهي تنظرُ إلى عمِّها. "ولكنَّني شعرتُ بأنَّ هذا اللقاءَ ضروريٌّ."

"ضروريٌّ لأيِّ سبب؟" سألَ الحاجُّ إبراهيمُ، وقدْ بدا عليهِ بعضُ التحفظ.

"لأنَّنا جميعاً نحملُ على عواتقِنا أثقالَ الماضي، ولأنَّنا نخشى من المستقبلِ دونَ أنْ نُصلحَ ما فسدَ في حاضرِنا."

"وماذا تقصدينَ بذلك؟"

"أقصدُ أنَّنا ابتعدنا عن بعضِنا البعض، وأنَّ سوءَ الفهمِ قدْ زرعَ بينَنا جداراً سميكاً. وأنَّ هذا الجدارَ يمنعُنا منْ رؤيةِ بعضِنا البعضِ على حقيقتِنا."

"ربما. ولكنَّ الماضي قدْ تركَ ندوباً عميقة." قالَ الحاجُّ إبراهيمُ بصوتٍ حزين.

"صحيح. ولكنَّ الندوبَ إذا اعتنينا بها، قدْ تصبحُ دليلاً على الشفاءِ لا على الألمِ المستمر."

ثمَّ قالتْ فاطمةُ، وهي تنظرُ مباشرةً في عينيه: "أعلمُ أنَّكَ تشعرُ بالألمِ بسببِ ما حدثَ ليوسف. وأعلمُ أنَّكَ تحملُ الكثيرَ منَ الأسى. ولكنَّ الحبَّ يظلُّ هوَ العلاجُ الوحيدُ لكلِّ هذهِ الآلام."

تنهدَ الحاجُّ إبراهيمُ وقالَ: "الحبُّ شيءٌ، والعدلُ شيءٌ آخر. لقدْ شعرتُ بأنَّ العدلَ لم يتحققَ في بعضِ الأمور."

"وما هوَ العدلُ في رأيكَ يا عمي؟ هل هوَ أنْ نُبقيَ هذهِ الخلافاتِ قائمةً للأبد؟ أمْ أنْ نسعى إلى التسامحِ والغفران؟"

صمتَ الحاجُّ إبراهيمُ للحظة، وهوَ يتأملُ كلماتِ ابنةِ أخيه. رأى في عينيها صدقاً ونقاءً، ورأى فيها محاولةً صادقةً لإصلاحِ ما يمكنُ إصلاحُه.

"لا أدري يا فاطمة. الأمرُ معقدٌ. ويوسفُ... يوسفُ لديهِ مشاعرُهُ الخاصة."

"وأنا أتفهمُ ذلك. ولكنَّ أحياناً، نحتاجُ إلى منْ يُساعدُنا على تجاوزِ مشاعرِنا. نحتاجُ إلى كلمةٍ طيبة، إلى يدٍ ممدودة."

"وماذا تقترحينَ؟"

"أقترحُ أنْ نتجاوزَ الماضي، وأنْ نبدأَ منْ جديد. أنْ نُعيدَ بناءَ جسورِ التواصلِ التي انهارت. أنْ نُعطيَ فرصةً أخرى للأمل."

نظرتْ فاطمةُ إلى عمِّها، وهيَ تشعرُ بأنَّ قلبَها يخفقُ بشدة. كانتْ تعلمُ أنَّ هذهِ هيَ اللحظةُ الحاسمة، وأنَّ قرارهُ سيؤثرُ على مستقبلِ العائلةِ بأكملِها.

"أنا أرى في عينيكِ الصدقَ والأمانة، يا فاطمة. ولكنَّني ما زلتُ متردداً." قالَ الحاجُّ إبراهيمُ بصوتٍ خافت.

"الت تردُّدُ طبيعيٌّ يا عمي. ولكنَّ الخوفَ منَ الفشلِ لا يجبُ أنْ يمنعَنا منَ المحاولة. نحنُ عائلةٌ واحدة، ويجبُ أنْ نبقى كذلك."

ثمَّ أضافتْ فاطمةُ: "تذكرْ ما كانتْ تقولُهُ جدتي دائماً: 'لا تتركوا شيئاً صغيراً يُفرِّقُكم، فإنَّ الأيامَ تمضي، والأعمالَ تبقى'."

تنفسَ الحاجُّ إبراهيمُ بعمق، ثمَّ قالَ: "حسناً يا فاطمة. سأفكرُ فيما قلتِ. ولكنَّ الأمرَ يحتاجُ إلى وقتٍ، وإلى هدوء."

شعرتْ فاطمةُ بارتياحٍ كبير، فقدْ كسرتْ حاجزَ الصمتِ والخوف. ابتسمتْ وقالتْ: "شكراً لكَ يا عمي. هذهِ بدايةٌ جيدة."

نهضتْ لتغادر، وفي طريقِها إلى الباب، توقفتْ وقالتْ: "أتمنى أنْ أرى يوسفَ قريباً، وأنْ نتمكنَ جميعاً منْ الجلوسِ معاً، والتحدثِ بصراحة. هذا هوَ الأملُ الوحيدُ الذي يملأُ قلبي."

خرجتْ فاطمةُ منْ منزلِ عمِّها، وهيَ تشعرُ بأنَّ عبئاً قدْ زالَ عن كاهلِها. لقدْ زرعتْ بذرةَ أملٍ جديدة، وبقيتْ الآنَ تنتظرُ لتَرى ما إذا كانتْ ستنمو.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%