أجنحة الأمل المكسورة

الفصل 17 — رياحُ التغييرِ تهبُّ

بقلم وفاء البكري

الفصل 17 — رياحُ التغييرِ تهبُّ

كانَ لقاءُ فاطمةَ بجدتِها في صباحِ اليومِ التالي، مليئاً بالأسئلةِ والترقُّب. جلستْ فاطمةُ بجوارِها على الأريكةِ في الصالةِ الهادئة، تتأملُ وجهَها الذي يحملُ آثارَ السنين، وتبحثُ عنْ علاماتٍ تُشيرُ إلى ما دارَ في عقلِها بعدَ حديثِها معَ أحمد.

"صباح الخير يا جدتي." قالتْ فاطمةُ بصوتٍ رقيق.

"صباح النور يا ابنتي. هل أنتِ مستيقظةٌ مبكراً اليوم؟"

"لم أستطعْ النومَ جيداً. كنتُ أفكرُ كثيراً."

"في ماذا؟"

"في كلِّ شيء. في الماضي، وفي المستقبل. وفي حديثِكِ معَ أحمد."

ابتسمتْ الجدةُ ابتسامةً باهتة، وقالتْ: "لقدْ تحدثتُ معهُ كثيراً. أردتُ أنْ أُخبرهُ بكلِّ شيء، قبلَ أنْ يفوتَ الأوان."

"وهل تعتقدينَ أنَّهُ لم يفتِ الأوانُ بعدُ؟"

"لا أدري يا فاطمة. ولكنَّني أريدُ أنْ أحاول. أريدُ أنْ أُصلحَ ما أفسدتهُ. خاصةً فيما يتعلقُ بيوسف."

"هذا ما أتمناهُ أيضاً يا جدتي. لقدْ تحدثتُ بالأمسِ معَ عمي الحاجِّ إبراهيم."

ارتسمَ على وجهِ الجدةِ تعبيرٌ مفاجئ، وقالتْ: "حقاً؟ وماذا قالَ؟"

"لقدْ استمعَ إليَّ. وبدا متردداً، ولكنهُ لم يرفضْ فكرةَ المحاولة. قالَ إنَّهُ سيفكرُ في الأمر."

"هذهِ خطوةٌ جيدة. خطوةٌ أولى نحو المصالحة." قالتْ الجدةُ، وقدْ استعادتْ بعضاً منْ بريقِ عينيها.

"ولكنَّ المشكلةَ الأساسيةَ هيَ يوسف. هوَ لا يزالُ يشعرُ بالكثيرِ منَ الألمِ والغضب. وهوَ يشعرُ بأنَّهُ لم يُعطَ حقَّه."

"أعلمُ ذلك. لقدْ أخطأتُ بحقِّهِ كثيراً. ولكنَّني أريدُ أنْ أُصلحَ خطئي. أريدُ أنْ أُرى يوسفَ سعيداً مرةً أخرى."

"وماذا عنْ لقائِه؟ هل تعتقدينَ أنَّهُ مستعدٌّ للقاءٍ معنا؟"

"لا أدري. ولكنَّنا يجبُ أنْ نحاول. يجبُ أنْ نُظهرَ لهُ أنَّنا نفهمُ ما يمرُّ بهِ. وأنَّنا نريدُ الاعتذارَ منهُ بصدق."

تنهدتْ الجدةُ وقالتْ: "سأحاولُ التحدثَ معَ والدهِ. ربما يمكنُنا ترتيبُ لقاءٍ عائليٍّ بسيط. لقاءٍ هادئٍ بعيدٍ عنْ أيِّ ضغوط."

"هذهِ فكرةٌ رائعةٌ يا جدتي. كلُّ ما نحتاجُ إليهِ هوَ فرصةٌ للحديثِ بصراحة."

في نفسِ الوقت، كانَ يوسفُ يقضي يومَهُ في العملِ في مكتبِهِ. كانتْ الأفكارُ تدورُ في رأسِهِ كدوامةٍ لا تهدأ. حديثُهُ الأخيرُ معَ والدهِ، وكلماتُ جدتِهِ التي سمعَها منْ أحمد، كلُّ ذلكَ كانَ يُثيرُ فيهِ مشاعرَ متناقضة. كانَ يشعرُ بالرغبةِ في نسيانِ كلِّ شيءٍ والغوصِ في عملِهِ، ولكنهُ في نفسِ الوقتِ كانَ يشعرُ بجاذبيةٍ غريبةٍ نحو فكرةِ المصالحة.

تلقى اتصالاً هاتفياً مفاجئاً. كانَ والدهُ الحاجُّ إبراهيم.

"أهلاً أبي." قالَ يوسفُ.

"أهلاً بكَ يا بني. هل أنتَ مشغولٌ الآن؟"

"لا، لستُ مشغولاً جداً. لماذا؟"

"كنتُ أرغبُ في التحدثِ معك. هل يمكنُنا اللقاءُ مساءَ اليوم؟"

تردَّدَ يوسفُ للحظة. هل يريدُ سماعَ المزيدِ منَ الأعذار؟ أمْ أنَّ هناكَ فرصةً حقيقيةً للتغيير؟

"أين؟" سألَ يوسفُ.

"ربما في مقهى هادئٍ نعرفهُ. بعيداً عنِ المنزلِ وعنِ الضغوط."

"حسناً. الساعةُ كم؟"

"السابعةُ مساءً."

"سأكونُ هناك."

أغلقَ يوسفُ الهاتفَ، وشعرَ ببعضِ القلقِ والفضول. ماذا يريدُ والدهُ أنْ يقولَ لهُ؟ هل سيتحدثُ عنْ الماضي؟ أمْ عنْ المستقبل؟

مساءَ ذلكَ اليوم، وصلَ يوسفُ إلى المقهى المحدد. وجدَ والدهُ جالساً بالفعل، ينتظرُهُ. بدا عليهِ بعضُ التعب، ولكنَّ عينيهِ كانتا تحملانِ نظرةً مختلفةً عنْ ذي قبل.

"أهلاً يا أبي." قالَ يوسفُ وجلسَ قبالتَهُ.

"أهلاً بكَ يا بني. شكراً لقدومكَ."

صمتَ الحاجُّ إبراهيمُ للحظة، ثمَّ قالَ: "أعلمُ أنَّكَ غاضبٌ مني. وأعلمُ أنَّكَ تشعرُ بأنَّني لم أقفْ بجانبكَ عندما كنتَ تحتاجُني."

"لم يكنْ الأمرُ كذلكَ تماماً يا أبي. ولكنَّني شعرتُ بأنَّ هناكَ شيئاً ما كانَ مفقوداً."

"لقدْ كنتُ مخطئاً يا يوسف. كنتُ مخطئاً في طريقةِ تعاملي معَ الأمور. لقدْ كنتُ أُفكرُ في سمعةِ العائلةِ وفي ما سيقولُ الناس، أكثرَ منْ تفكيري في سعادتِكَ أنتَ."

تنهدَ الحاجُّ إبراهيمُ بعمق، ثمَّ قالَ: "لقدْ تحدثتُ معَ والدتِكَ اليوم. ومعَ فاطمة. لقدْ أدركتُ أنَّنا جميعاً ارتكبنا أخطاءً. وأنَّنا بحاجةٍ إلى تجاوزِ الماضي."

"وماذا عنْ فاطمة؟" سألَ يوسفُ، وقدْ شعرَ بنبضاتِ قلبِهِ تتسارع.

"فاطمةُ... فاطمةُ تشعرُ بالأسفِ الشديد. وهيَ تتمنى لو أنَّها تستطيعُ أنْ تُصلحَ ما حدث. وهيَ تريدُ أنْ ترى العائلةَ مجتمعةً مرةً أخرى."

"وهل هيَ حقاً تريدُ ذلك؟"

"نعم يا بني. إنَّها تشعرُ بمسؤوليةٍ كبيرةٍ تجاهَ ما حدث. وهيَ مستعدةٌ لفعلِ أيِّ شيءٍ لتصحيحِ الأمور."

صمتَ يوسفُ، وهوَ يستمعُ إلى والدهِ. لأولِ مرةٍ منذُ وقتٍ طويل، شعرَ بأنَّ هناكَ بارقةَ أملٍ حقيقية. لم يعدْ يشعرُ بأنَّهُ وحيدٌ في صراعِهِ.

"أنا... أنا لا أعرفُ ماذا أقولُ يا أبي." قالَ يوسفُ بصوتٍ متهدج.

"لا تقلْ شيئاً الآن. فقطْ استمع. أنا أريدُ منكَ أنْ تُعطيَ فرصةً أخرى. فرصةً لنا جميعاً. فرصةً لِفاطمة. وفرصةً لأنفسِنا."

"ولكنْ، كيف؟"

"سأدعوكم جميعاً للعشاءِ في منزلِنا الأسبوعَ القادم. عشاءٌ عائليٌّ بسيط. لنتحدثَ معاً، لِنستمعَ إلى بعضِنا البعض، ولِنحاولَ إيجادَ طريقٍ للمضيِّ قدماً."

نظرَ يوسفُ إلى والدهِ، ورأى في عينيهِ صدقاً ورغبةً حقيقيةً في التغيير. شعرَ بأنَّهُ لم يعدْ بإمكانِهِ أنْ يبقى على نفسِ الموقفِ القديم.

"حسناً يا أبي. أنا موافق. سأحضرُ العشاء."

ابتسمَ الحاجُّ إبراهيمُ ابتسامةً واسعة، وقدْ زالَ عنهُ الكثيرُ منَ الهم. "شكراً لكَ يا بني. هذهِ خطوةٌ عظيمة."

"أتمنى أنْ يكونَ كلُّ شيءٍ على ما يرام."

"سنحاولُ يا بني. سنحاولُ جميعاً."

في تلكَ الليلة، عندما عادَ يوسفُ إلى منزلِهِ، وجدَ فاطمةَ تنتظرُهُ. كانَ قدْ أخبرها بأنَّهُ سيلتقي بوالدهِ، ولكنَّهُ لم يُخبرها بالتفاصيل.

"كيفَ كانَ اللقاء؟" سألتْ فاطمةُ بقلق.

"كانَ... جيداً." قالَ يوسفُ، وهوَ ينظرُ إليها.

"جيداً؟ هل هذا كلُّ ما لديكَ لتقوله؟"

ابتسمَ يوسفُ وقالَ: "أبي دعا العائلةَ جميعاً للعشاءِ في منزلِهم الأسبوعَ القادم. وهيَ دعوةٌ لكِ أيضاً."

اتسعتْ عينا فاطمةَ منَ المفاجأةِ والفرح. "هل هذا صحيح؟"

"نعم. وهوَ يريدُ منكَ أنْ تأتي."

شعرتْ فاطمةُ بأنَّ قلبَها يقفزُ منَ الفرح. لقدْ تحققَ حلمُها. لقدْ بدأتْ رياحُ التغييرِ تهبُّ فعلاً.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%