أجنحة الأمل المكسورة
الفصل 2 — همسات الماضي وصخب الحاضر
بقلم وفاء البكري
الفصل 2 — همسات الماضي وصخب الحاضر
بعد انصراف خالد، عادت ليلى إلى والدها. جلست بجانبه، محاولةً بث بعض الدفء في جو الغرفة الذي خيم عليه الصمت. كان الحاج يوسف غارقاً في ذكرياته، وعيناه تحدقان في الفراغ. كانت ليلى تشعر بثقل المسؤولية الملقاة على عاتقها. فهي لم تكن مجرد ابنة، بل كانت السند، والمعين، والروح التي تحاول أن تبث الحياة في جسدٍ يعيش في الماضي.
"أبي"، قالت ليلى بصوتٍ هادئ، "ما رأيك أن نخرج قليلاً؟ ربما إلى السوق؟ ألم تقل إنك تحتاج بعض الأشياء؟"
رفع الحاج يوسف رأسه ببطء. "السوق؟ لا أعرف يا ابنتي. لم أعد أطيق الزحام. كلما دخلت، رأيت وجه أمك بين الوجوه. كأنها لا تزال تسير بين الباعة."
تألمت ليلى لسماع ذلك. كانت تعرف أن كل مكان يذكرها بوالدتها، وكل زاوية تحمل ذكرى. لكنها كانت تؤمن بأن المواجهة، لا الهروب، هي السبيل الوحيد للتغلب على الحزن.
"لكن يا أبي"، قالت محاولةً أن تبدو متفائلة، "أمّي كانت تحب السوق. كانت تحب أن تتسوق وتتحدث مع الناس. ربما رؤية الأماكن التي كانت تحبها ستذكرك بأوقاتٍ سعيدة، لا بأوقات الفقد."
صمت الحاج يوسف لبرهة، ثم قال: "ربما. إن كنتِ ترغبين بذلك."
ارتسمت ابتسامةٌ على وجه ليلى. "بالطبع يا أبي. سأرتدي ملابسي بسرعة."
ذهبت ليلى إلى غرفتها، وارتدت ثوباً بسيطاً وأنيقاً. كانت دائماً ما تحرص على أناقتها، فهي ترى أن ذلك جزء من احترام الذات، واحترام الآخرين. عادت إلى والدها، وساعدته في ارتداء عباءته.
خرجا معاً من المنزل. كان الهواء منعشاً، والشمس قد ارتفعت في السماء. كان المارة يلقون السلام على الحاج يوسف، وكانوا يبتسمون لليلى. كان حي "الزهور" معروفاً بأهله الطيبين، وعلاقات الجوار القوية.
وصلوا إلى السوق. كان صاخباً ومليئاً بالناس. كان الحاج يوسف يسير ببطء، وعيناه تتفحصان المحلات. ليلى كانت بجانبه، تمسك بيده، وتقوده بلطف.
"أتذكر يا أبي"، قالت ليلى مشيرةً إلى محلٍ لبيع التوابل، "كم كانت أمي تحب أن تشم رائحة الهيل والزعفران هنا؟ كانت تقول إنها رائحة الذكريات."
ابتسم الحاج يوسف ابتسامةً خفيفة. "نعم، نعم. كانت تحب الروائح الطيبة."
وصلا إلى محل أقمشة قديم. كان الحاج يوسف يعرف صاحبه منذ سنوات. "هذا محل العم سعيد"، قال الحاج يوسف. "كانت أمك تحب أن تشتري منه الأقمشة لفساتينها."
دخلوا المحل. كان العم سعيد، رجلٌ نحيلٌ ذو شاربٍ أبيض، يتحدث بحرارة مع أحد الزبائن. عندما رأى الحاج يوسف، توقف فوراً وذهب لاستقباله.
"أهلاً وسهلاً بالحاج يوسف! كيف حالك يا شيخ؟ لم أرك منذ فترة."
"بخير يا سعيد، الحمد لله"، رد الحاج يوسف. "جئت لأرى ما لديك من جديد."
"كل ما تريده هنا يا شيخ"، قال العم سعيد وهو يبتسم. "وخاصةً لكِ يا ابنتي ليلى، أتذكركِ وأنتِ طفلة صغيرة تركضين هنا."
ابتسمت ليلى بخجل. "شكراً لك يا عم سعيد."
بدأ العم سعيد يعرض عليهما بعض الأقمشة. كان الحاج يوسف ينظر إليها بفتور، بينما كانت ليلى تتفحصها بإعجاب.
"هذا القماش جميل جداً"، قالت ليلى وهي تلمس قماشاً حريرياً بلون الزمرد. "هذا يناسب أمي كثيراً."
توقف الحاج يوسف، ونظر إلى القماش. تذكر كيف كانت والدتها ترتدي فساتين مشابهة. وكيف كانت تتألق بها.
"نعم"، قال بصوتٍ مختنق. "كانت تحب اللون الأخضر."
اشترت ليلى القماش، وبعض الأشياء الأخرى. خلال ذلك، استمر العم سعيد في الحديث مع الحاج يوسف، يسأله عن حاله، وعن صحته. كان يحاول أن يخرجه من صمته، وأن يشعره بالاهتمام.
عندما خرجوا من المحل، شعرت ليلى بأن والدها قد تحسن قليلاً. كان هذا مجرد تفاعل بسيط، لكنه كان مهماً.
"يا أبي"، قالت ليلى، "هل تتذكر عندما كنا نذهب إلى المزرعة في الصيف؟ كانت أياماً جميلة."
"نعم"، قال الحاج يوسف. "كانت أيامٌ لا تعوض."
"أتذكر أنك كنت تعلمني كيف أقطف الفاكهة؟ كنت تقول لي إنها تحتاج إلى صبرٍ وحنان."
ابتسم الحاج يوسف. "كانت تلك الأيام. كنتِ طفلةً ذكيةً وسريعة التعلم."
وصلوا إلى المنزل. كانت ليلى متعبة، لكنها سعيدة. شعرت بأنها بدأت تخطو خطواتٍ صغيرة نحو استعادة والدها.
في المساء، بينما كانت ليلى تحضر العشاء، جاءها اتصالٌ من زميلتها في العمل، "سارة". سارة كانت صديقة مقربة لليلى، وتعرف كل شيء عن مشاكلها.
"ليلى، كيف حالك؟" قالت سارة بصوتٍ قلق. "هل أنتِ بخير؟"
"الحمد لله يا سارة. بخير."
"أعلم أنكِ تقلقين على والدكِ. لكن تذكري أنكِ تبذلين قصارى جهدكِ. أنتِ ابنةٌ رائعة."
"شكراً لكِ يا سارة. لكن الأمر ليس سهلاً."
"أعلم. لكن لا تجعلي الحزن يسيطر عليكِ. هل فكرتِ في أن تأخذي استراحة قصيرة؟ ربما نسافر أنا وأنتِ إلى مكانٍ هادئ؟"
ترددت ليلى. كانت تفكر في والدها، ولم تكن ترغب في تركه وحيداً. "لا أعرف يا سارة. أبي لا يزال يحتاجني."
"أتفهم ذلك. لكن يجب أن تعتني بنفسكِ أيضاً. إذا كنتِ قوية، يمكنكِ أن تساعدي والدكِ بشكل أفضل."
فكرت ليلى في كلام سارة. كانت تعرف أن لديها حقاً. كانت تشعر بالاستنزاف العاطفي والجسدي.
"ربما. سأفكر في الأمر. شكراً لكِ يا سارة."
بعد المكالمة، جلست ليلى في غرفتها. نظرت إلى صورة والدتها. "أمي، هل ترينني؟ هل أنا أفعل ما يكفي؟"
في تلك اللحظة، سمعت صوتاً خافتاً من غرفة والدها. كان يقرأ القرآن. شعرت ليلى بالراحة. كان والدها لا يزال يتذكر تعاليم دينه، ويتوجه إلى الله في حزنه.
استمدت ليلى القوة من إيمانها، ومن حبها لوالدها. كانت تعلم أن عليها أن تستمر. أن تجد طرقاً جديدة لمواجهة هذا الحزن.
في الأيام التالية، استمرت ليلى في محاولاتها. بدأت تعتني بالحديقة، وزرعت فيها بعض الزهور الملونة. كانت ترى أن النباتات تحتاج إلى رعاية وحب لتنمو. تماماً مثل والدها.
كما بدأت في تشجيع والدها على قراءة الكتب التي كان يحبها. كانت تجلس بجانبه، وتقرأ له بصوتٍ عالٍ. بدأت تتحدث معه عن ذكرياتٍ جميلة، عن رحلاتٍ قاموا بها، عن أيامٍ كانت فيها العائلة مجتمعة.
شيئاً فشيئاً، بدأت تلاحظ تغيراً بسيطاً في والدها. كان يستجيب أكثر، وكان يبتسم أحياناً. كان ذلك مؤشراً على أن جهودها لم تذهب سدى.
لكن خلف هذا الهدوء الظاهر، كانت هناك أحداثٌ تتكشف. في السوق، بدأ بعض التجار يتحدثون عن مشاكل مالية. بعضهم كان يواجه صعوبات في سداد ديونه. كان الحاج يوسف يسمع هذه الهمسات، لكنه لم يكن يعيرها اهتماماً كبيراً. كان يعتقد أن تجارته قوية، وأن أزمات السوق عابرة.
كان هناك أيضاً شخصٌ يتربص في الظل. شخصٌ كان يراقب الحاج يوسف، وينتظر الفرصة المناسبة. كان "كمال"، رجلٌ طموحٌ وعديم الضمير، كان يعمل سابقاً مع الحاج يوسف، لكنه طُرد بسبب غشه وخداعه. كان كمال يكنّ ضغينةً للحاج يوسف، وكان يسعى للانتقام منه.
لم تكن ليلى تعلم شيئاً عن هذه الأخطار التي تحيط بوالدها. كانت غارقةً في محاولة إنقاذ روحه، ولم تكن ترى الأيدي التي تحاول أن تسقطه. كانت تعلم أن القادم لن يكون سهلاً، وأن هناك تحدياتٍ أكبر تنتظرها. لكنها كانت مستعدة للمواجهة، مدفوعةً بحبها لأبيها، وإيمانها بأن الأمل لا يموت.