نبض يتوارثه الأبناء
الفصل 18 — سواعد الخير وأيدي العطاء
بقلم أمل الشمري
الفصل 18 — سواعد الخير وأيدي العطاء
مع وجود الدعم الجديد من السيد خالد، بدأت سارة تشعر بأن حلم والدها بدأ يكتسب شكلًا ملموسًا. كان خالد، بفضل خبرته في عالم الأعمال، قادرًا على تقديم النصح الاستراتيجي، وفتح أبواب جديدة كانت مغلقة أمام سارة. لم يكن مجرد داعم مالي، بل كان مستشارًا حكيمًا، يشاركها أفكاره ورؤيته.
"يا سارة، يجب أن نبدأ بالأساسيات," قال خالد في أحد اجتماعاتهم. "علينا أن نضع خطة عمل مفصلة، تحدد الأهداف، الميزانية، وجدول زمني واقعي. لا يمكننا أن نبني هذا الصرح على مجرد حماس، بل على أسس متينة."
استعانت سارة ببعض الخبراء في مجالات مختلفة، منهم مختصون في التخطيط العمراني، وآخرون في التدريب المهني. بدأت في بناء فريق صغير، يشاركها الشغف بالمشروع. كانت هذه الأيام مليئة بالاجتماعات، النقاشات، والمناقشات الحادة أحيانًا، لكن الهدف كان دائمًا واحدًا: إحياء حلم محمد.
في غضون ذلك، لم تنسَ سارة والدتها. كانت تزورها باستمرار، وتشاركها آخر التطورات. كانت السيدة فاطمة تستمع بحب وصبر، وتقدم لابنتها الدعم المعنوي الذي لا يقدر بثمن.
"كيف تسير الأمور يا ابنتي؟" سألت السيدة فاطمة وهي تعد كوبًا من اللبن الدافئ لسارة. "تسير بخطى سريعة يا أمي. السيد خالد رجل رائع، وهو يساعدني كثيرًا. أشعر بأنني أقرب إلى أبي كل يوم." "الحمد لله. والدكِ كان دائمًا يحب أن يرى الأمل يتجدد في عيون الناس. وأنا متأكدة أنه سعيد بما تفعلينه."
بدأت سارة في البحث عن مكان مناسب لإنشاء المركز. كانت هناك عدة خيارات، لكنها كانت تبحث عن مكان يسهل الوصول إليه، وفي منطقة تحتاج إلى مثل هذه الخدمات. بعد بحث طويل، عثروا على مبنى حكومي قديم، مهجور منذ سنوات، لكنه في موقع استراتيجي. كان يحتاج إلى ترميم شامل، لكنه كان يمتلك الإمكانيات.
"هذا هو المكان المناسب!" قالت سارة بحماس وهي تقف أمام المبنى. "إنه بحاجة إلى الكثير من العمل، لكنه يحمل روحًا." "بالفعل," قال خالد. "سنحتاج إلى فريق هندسي لتقييم حالته، ووضع خطة ترميم شاملة."
بدأت أعمال الترميم، وكان مشهدًا ملهمًا. سواعد الخير بدأت تتوافد. تطوع العديد من الأشخاص الذين سمعوا عن المشروع، من مهندسين، عمال بناء، وحتى حرفيين. كانت القصة تنتشر، والناس يتفاعلون مع فكرة إعادة إحياء حلم رجل كان يحب مجتمعه.
من بين المتطوعين، كان هناك رجل عجوز يدعى الحاج محمود، وهو نجار ماهر. لقد عرف والد سارة، وكان يكن له احترامًا كبيرًا. "كنت أعرف والدكِ جيدًا," قال الحاج محمود لسارة وهو يشرف على فريق من الشباب الذين يتعلمون منه فن النجارة. "كان رجلًا طيب القلب، وكان يحب مساعدة الآخرين. أنا سعيد جدًا بأن حلمه سيتحقق."
كان الحاج محمود يكرس وقته لتعليم الشباب المهارات الأساسية في النجارة، وهم بدورهم كانوا يتعلمون منه ليس فقط الحرفة، بل أيضًا قيم الصبر، المثابرة، وأهمية العمل الجاد. كان يرى فيهم مستقبل المشروع، ومستقبل المجتمع.
لم يقتصر الدعم على المتطوعين. بدأت العديد من الشركات والمؤسسات الخيرية في تقديم المساعدات. كانت هناك تبرعات بالمواد، بالمال، وبالخبرات. بدأت الأيدي تتكاتف، وبدأت الأحلام تتجسد.
في أحد الأيام، وبينما كانت سارة تتفقد سير العمل، رأت مجموعة من الفتيات الصغيرات يقفن خارج سياج المشروع، يراقبن العمال بحماس. اقتربت منهن.
"ماذا تفعلن هنا يا صغيراتي؟" سألت سارة بابتسامة. "نحن نرى كيف يبنون البيت الكبير," قالت إحداهن. "إنه ليس بيتًا، إنه مركز تدريبي. سيأتي إليه الشباب ليتعلموا حرفًا جديدة، ليصبحوا رجالًا ونساءً أقوياء." اتسعت عيون الفتيات. "هل يمكننا أن نتعلم أيضًا؟" سألت أخرى.
شعرت سارة بلحظة تأثر عميق. لقد كان والدها يتحدث عن إتاحة الفرص للجميع، ولم يكن يخص فئة معينة. "بالطبع يمكنكن. هذا المركز للجميع."
قررت سارة، بالتشاور مع خالد، أن يخصصوا جزءًا من المركز لتعليم الفتيات أيضًا. سيتم إضافة ورش عمل للخياطة، التطريز، وفنون أخرى. أصبح المشروع أكبر وأشمل مما كان عليه في البداية.
في كل يوم، كانت سارة تشعر بأنها أقرب إلى روح والدها. كانت ترى في كل عامل، في كل متطوع، في كل تبرع، جزءًا من حلمه. كان نبض والدها يتوارثه الأبناء، وينتقل إلى قلوب وعقول الآخرين، ليتحول إلى قوة دافعة نحو الخير والعطاء.
كانت الليالي لا تزال طويلة أحيانًا، لكنها لم تعد تحمل قلقًا. كانت تحمل أملًا، وتوقًا لرؤية اليوم الذي سيفتح فيه المركز أبوابه، اليوم الذي ستبدأ فيه قصة نجاحات جديدة، بفضل رجل أحب وطنه، وأحب أن يترك بصمة لا تُمحى.