نبض يتوارثه الأبناء
الفصل 3 — خطوة نحو الحقيقة
بقلم أمل الشمري
الفصل 3 — خطوة نحو الحقيقة
مرت الأيام، ولم يغادر وجه سامي تفكير فاطمة. كانت تراه في أحلامها، وتسمع صوته في همسات الريح. لم يجرؤ أي منهما على المبادرة، لكن نظراتهما في السوق، وكلماتهما الخجولة، كانت كافية لتشعل شرارة الأمل في قلبها. كانت تتمنى أن تجد فرصة أخرى لرؤيته، ليتحدثا، لتعرف المزيد عنه.
في أحد الأيام، وبينما كانت "ليلى" تساعد في تنظيم معرض خيري في القرية، سمعت حديثاً بين بعض النساء عن "الحاج عبد الله" وعائلته. كن يتحدثن عن ابنه "سامي" وعن صفاته الطيبة، وعن أخلاقه الحسنة. ذكرن أيضاً أن الحاج عبد الله يفكر في تزويج سامي قريباً، وأنه يبحث عن فتاة مناسبة.
ارتعش قلب فاطمة لسماع ذلك. هل يعني هذا أن سامي قد يتزوج قريباً من غيرها؟ شعرت بالضيق. أدركت حينها أن مشاعرها تجاه سامي لم تكن مجرد إعجاب عابر، بل كانت أعمق من ذلك بكثير.
عادت إلى المنزل وقلبها مثقل. لم تستطع إخبار والدتها بما سمعت، خشية أن تبدو متسرعة أو مغرمة. لكنها قررت أن تتحدث إلى جدتها، الحاجة "أمينة". كانت الحاجة أمينة دائماً حكيمة، وتستطيع أن ترى ما وراء الكلمات.
"جدتي"، قالت فاطمة في المساء، بينما كانت الجدة تحيك ملابس شتوية جديدة. "هل يمكن أن أتحدث معكِ في أمر يشغل بالي؟" نظرت الحاجة أمينة إلى فاطمة بعينيها الحانيتين. "تفضلي يا ابنتي. قلبكِ هو بيتي."
بعد بعض التردد، روت فاطمة لجدتها عن لقائها الأول بسامي، وعن انطباعاتها عنه، وعن ما سمعته اليوم في المعرض. استمعت الحاجة أمينة بصبر، ولم تقاطعها. عندما انتهت فاطمة، وضعت الجدة إبرتها، وأمسكت بيد فاطمة. "يا ابنتي، إن مشاعركِ هذه طبيعية. فالحب شعور جميل، ولكن يجب أن يُدار بعقل وحكمة. لقد رأيتِ سامي مرتين، وسمعتِ عنه كلاماً طيباً، وهذا جيد. ولكن قبل أي خطوة، يجب أن تتأكدي من أن هذا الشاب مناسب لكِ، وأنكِ مناسبة له."
"ولكن كيف يا جدتي؟" سألت فاطمة بحيرة. "هناك طرق عديدة. يمكن لوالدكِ أن يتحدث مع والده. أو يمكن أن نجد سبباً لزيارتهم. الأهم هو أن تكون الأمور واضحة وصريحة. لا نحب أن نلعب بمشاعر الشباب."
ابتسمت فاطمة. كانت كلمات جدتها دائماً تبعث الطمأنينة في قلبها. "هل تظنين أن والدي سيوافق؟" "والدكِ يحب سعادتكِ فوق كل شيء. وسوف يفعل ما هو في مصلحتكِ. الحاج عبد الله رجل كريم، وعائلته طيبة. لا أرى مانعاً."
بعد هذا الحديث، شعرت فاطمة بارتياح كبير. لقد وضعت أولى خطواتها نحو الحقيقة.
في اليوم التالي، وبينما كان "أحمد" يستعد للذهاب إلى مزرعته، تحدثت إليه الحاجة أمينة. "أحمد يا بني، هل تعرف الحاج عبد الله؟" "نعم يا أمي، أعرفه جيداً. لماذا تسألين؟" "أتذكرين الشاب سامي؟ ابنه؟" "نعم، شاب جيد." "لقد بدأت فاطمة تهتم به. وهي تحبه. هل يمكن أن تتحدث مع الحاج عبد الله؟ ربما نجد هناك توافقاً." نظر أحمد إلى والدته، ثم إلى ابنته فاطمة التي كانت تقف بجانبه، وقد اكتست وجنتاها بحمرة خفيفة. ابتسم أحمد. "إذا كانت فاطمة تحبه، وأنتِ ترين ذلك مناسباً يا أمي، فسوف أتحدث إليه. أريد فقط سعادة ابنتي."
وبالفعل، في مساء ذلك اليوم، ذهب أحمد إلى مزرعة الحاج عبد الله. وجد الحاج عبد الله جالساً أمام منزله، يحتسي كوباً من الشاي. "السلام عليكم يا حاج عبد الله." "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا أحمد. أهلاً بك."
بعد تبادل التحيات، بدأ أحمد الحديث. "يا حاج عبد الله، أتيتك اليوم زائراً، ولكن أيضاً لأتحدث معك في أمر هام." نظر الحاج عبد الله بفضول. "تفضل يا أحمد." "كما تعلم، لدينا ابنة اسمها فاطمة. فتاة صالحة، وتربيتها طيبة. لقد بدأت تهتم بابنك سامي. وهي تشعر بارتياح كبير تجاهه." صمت الحاج عبد الله للحظة، وهو يفكر. ثم قال: "سامي أيضاً، لقد تحدث لي عن فتاة في القرية، لا يذكر اسمها، ولكنه يصفها بالبنت الصالحة ذات الأخلاق العالية. ربما تكون هي فاطمة."
شعر أحمد بالارتياح. "إذاً، هل يمكن أن نرتب لقاءً بين العائلتين؟ لنتحدث بشكل رسمي، ونرى إذا كان هناك توافق." "بالتأكيد يا أحمد. يسعدني ذلك. نحن أهل وجيران، ولا يوجد ما يمنع. الغد، في المساء، يمكن أن تأتي أنت وزوجتك والحاجة أمينة إلى منزلنا. لنتناول العشاء سوياً."
عاد أحمد إلى المنزل، وقد امتلأ قلبه بالبشرى. أخبر زوجته ووالدته بما حدث. فرحت ليلى كثيراً، وقامت الحاجة أمينة بتهنئة فاطمة. "مبروك يا ابنتي. الخطوة الأولى تمت بنجاح. الآن، استعدي، فإن المستقبل يحمل لكِ الكثير."
شعرت فاطمة بقلبها يرقص فرحاً. لقد كان لقاءً لم يخطر ببالها. لقد تحدث والداها، وتحدث سامي إلى والده. لقد أصبح الأمر رسمياً، خطوة نحو الحقيقة.
في الليلة التالية، ارتدت فاطمة أجمل ثيابها، ووضعت عطراً خفيفاً. لم تكن متوترة، بل كانت تشعر بسعادة غامرة. لقد كانت تنتظر هذه اللحظة بفارغ الصبر.
عندما وصلوا إلى منزل الحاج عبد الله، استقبلهم بحرارة. كانت زوجته، السيدة "فاطمة"، امرأة طيبة، ووجهها بشوش. جلسوا جميعاً في غرفة الضيوف، يتناولون طعام العشاء، ويتحدثون عن مختلف الأمور.
كان سامي حاضراً. كان يبدو أكثر هدوءاً من المعتاد، ولكنه كان يبتسم لفاطمة كلما التقيت نظراتهما. تحدث أحمد مع الحاج عبد الله عن طبيعة العمل في الزراعة، وتبادلا الخبرات. تحدثت ليلى مع السيدة فاطمة عن شؤون المنزل وتربية الأبناء. وكانت الحاجة أمينة تبارك الجميع، وتدعو لهما بالتوفيق.
خلال العشاء، حدثت فاطمة وسامي فرصة للتحدث قليلاً، بعيداً عن الكبار. "أتمنى أن تكوني مرتاحة"، قال سامي بصوت هادئ. "نعم، الحمد لله. شكراً لك." "كنت أتمنى أن تكون هذه الخطوة. لقد تحدثت مع أبي، وأخبرته عنكِ." "وأنا أيضاً، تحدثت مع جدتي ووالدي." "يبدو أن عائلتنا متوافقة"، قال سامي بابتسامة. "أتمنى ذلك"، قالت فاطمة، وهي تشعر بأن قلبها يمتلئ بالأمل.
كانت تلك الليلة، بداية جديدة. بداية لعلاقة أكثر عمقاً، لتعارف أعمق. لقد خطت فاطمة وسامي، بتشجيع من عائلتيهما، خطوة نحو الحقيقة، خطوة نحو بناء مستقبل مشترك.