نبض يتوارثه الأبناء
الفصل 7 — رياح التغيير وقرار الحاسم
بقلم أمل الشمري
الفصل 7 — رياح التغيير وقرار الحاسم
مرت الأيام، وبدأت التساؤلات التي أثارتها كلمات الجدة عائشة تتشكل في ذهن فاطمة بشكل أكثر وضوحًا. لم تكن تستطع أن تتجاهل الشعور بأن هناك جزءًا من قصة والدها لم يُروَ بعد. كانت تبحث باستمرار في أوراق والدها القديمة، في الصناديق المغلقة، في كل زاوية من زوايا المنزل، على أمل أن تجد ما يكشف لها هذا السر.
في أحد الأيام، وبينما كانت ترتب مكتب والدها، عثرت على دفتر صغير مغبر، لم تره من قبل. كان الدفتر مغلقًا بشريط جلدي قديم. بقلب يخفق بالحذر، فتحت فاطمة الدفتر. كانت الصفحات مملوءة بخط والدها الأنيق، ولكنه كان مكتوبًا بلغة لم تفهمها في البداية. كانت عبارة عن رموز وأرقام متفرقة، وبعض الكلمات المكتوبة باللغة الإنجليزية، وهو أمر كان غريبًا بالنسبة لوالدها الذي لم يكن يجيدها.
"ما هذا؟" تساءلت فاطمة بصوت مسموع. "والدي لم يكن يعرف الإنجليزية جيدًا، فماذا يكتب بهذه اللغة؟"
بدأت تتفحص الصفحات بعناية أكبر. لاحظت أن بعض الأرقام كانت تتكرر، وأن بعض الرموز كانت تشير إلى تواريخ معينة. كان هناك أيضًا اسم متكرر، "إلياس". لم تسمع بهذا الاسم من قبل قط.
قررت أن تستشير شخصًا قد يكون لديه بعض المعلومات. عادت إلى الجدة عائشة، وأظهرت لها الدفتر.
"جدتي، هل تعرفين شيئًا عن هذا الدفتر؟ وما معنى هذه الكتابات؟ ومن هو إلياس؟"
نظرت الجدة إلى الدفتر بعينين متعبتين، وبدت عليها علامات الحزن. "آه يا فاطمة، هذا الدفتر... يبدو أن والدكِ لم ينسَ ماضيه. إلياس... كان صديقًا قديمًا لوالدكِ، ولكنهما افترقا في ظروف صعبة."
"ما هي الظروف يا جدتي؟" سألت فاطمة بلهفة.
"كان والدكِ في شبابه، قبل أن يلتقي بوالدتكِ، قد دخل في مشروع تجاري مع إلياس. ولكنهما اختلفا في النهاية. كانت هناك بعض الأموال التي لم يتمكن والدكِ من تسديدها لإلياس في الوقت المحدد، بسبب ظروف قاهرة. شعر والدكِ بالذنب الشديد طوال حياته، وكان دائمًا يبحث عن طريقة لتعويض إلياس، أو على الأقل للتواصل معه."
"لكن لماذا لم يخبرنا؟ ولماذا كل هذه الرموز؟"
"كان والدكِ رجلًا لا يحب أن يثقل كواهل الآخرين بمشاكله. وكان يخشى أن يؤثر هذا الأمر على سمعة العائلة. أما هذه الرموز، فقد تكون شيفرة خاصة به، ربما ليخفي بها بعض التفاصيل أو ليتذكر بها مواعيد معينة تتعلق بهذا الأمر."
"وهل تعرفين أين أصبح إلياس الآن؟"
"لا يا ابنتي. لقد فقدنا الاتصال به منذ سنوات طويلة. رحل كل منا في طريقه. ولكن ربما، لو استطعتِ أن تفهمي هذه الرموز، قد تجدين بعض الخيوط التي تقودكِ إليه."
شعرت فاطمة بأنها تقترب من الحقيقة. هذا الدفتر كان المفتاح الذي كانت تبحث عنه. قررت أن تبذل كل ما في وسعها لفك رموزه. أمضت أيامًا وليالٍ تحاول فك الشيفرة، بالاستعانة ببعض الكتب القديمة حول الأرقام والرموز، وبالرجوع إلى تواريخ هامة في حياة والدها.
في أحد الأيام، بينما كانت تبحث في أرشيف صور والدها، عثرت على صورة قديمة جدًا، لوالدها وهو شاب، يقف بجانب رجل آخر. كان الرجل الآخر هو نفسه الذي ظهر في إحدى الصفحات المبهمة من الدفتر. عرفت أنه إلياس.
كانت الصورة مؤلمة، ولكنها كانت أيضًا دافعًا لفاطمة. شعرت بمسؤولية تجاه والدها، وتجاه هذا الصديق الذي يبدو أنه تعرض للظلم.
بعد أيام من البحث المضني، بدأت فاطمة تفك شيفرة الدفتر. اكتشفت أن والدها كان يسجل مواعيد كان ينوي فيها الاتصال بإلياس، ولكنه كان يؤجل دائمًا. كما وجدَت أن هناك مبالغ مالية محددة كان والدها قد خصصها، وكتب بجانبها "لإلياس". كان والدها يخطط لتعويض إلياس، ولكن ظروف الحياة، أو ربما تردده، حالت دون ذلك.
كان القرار صعبًا، ولكنه كان حاسمًا. فاطمة قررت أنها ستتبع ما بدأه والدها. قررت أنها ستجد إلياس، وستقوم بتعويضه.
ذهبت إلى محمود، وأخبرته بكل ما اكتشفته. في البداية، بدا محمود متفاجئًا، ولكنه بعد أن رأى الدفتر وتفاصيل ما توصلت إليه فاطمة، اقتنع.
"فاطمة، أنا معجب بقوتكِ وإصراركِ. والدكِ كان رجلًا كريمًا، ومن حق إلياس أن يحصل على ما له. كيف سنبحث عنه؟"
"لدينا بعض المعلومات من الدفتر، وتواريخ محددة. ربما يمكننا الاستعانة ببعض المحامين القدامى الذين كانوا يتعاملون مع والدي، أو ربما محاولة البحث عن سجلات تجارية قديمة."
بدأت فاطمة ومحمود رحلة البحث عن إلياس. كانت رحلة مليئة بالتحديات. مروا على الكثير من الأشخاص، ولكن لم يكن أحد يعرف مكان إلياس. كانوا يسافرون إلى مدن مختلفة، ويتواصلون مع أقارب بعيدين، ولكن دون جدوى.
في خضم هذا البحث، كانت فاطمة تشعر بأنها أقرب إلى والدها. كانت تشعر بمسؤوليته، وبحبّه. كانت ترى في هذا العمل امتدادًا لروحه، ووعدًا لوالدها بأن لا ينسى.
بعد أسابيع من البحث الشاق، حصلوا على خيط أمل. أحد الأقارب البعيدين لوالدها تذكر أن إلياس كان قد سافر إلى بلد عربي آخر، وأنه قد أسس هناك عملًا تجاريًا صغيرًا.
أصبح الطريق واضحًا. قررت فاطمة أن تسافر إلى ذلك البلد. كان قرارًا جريئًا، ولكنه كان ضروريًا. محمود، رغم قلقه، دعمها في قرارها، ووعدها بأنه سيتابع معها كل خطوة.
"لا تقلق يا محمود، سأكون حذرة. أريد فقط أن أصلح ما بدأه والدي."
"أعلم يا فاطمة، وأنا فخور بكِ. فقط تذكري، إذا احتجتِ أي شيء، فأنا هنا."
شعر محمود بالدهشة من قرار فاطمة، ولكنه كان يعلم أن إصرارها وقوة شخصيتها هما ما يدفعانها. كان ينظر إليها وهي تجهز حقائبها، ويتذكر كيف كانت دائمًا قوية، ولكن هذه المرة، كانت قوتها تحمل مسؤولية أكبر.
"تذكري يا فاطمة، أن ما تفعلينه هو حق، وأن الله مع الصابرين."
"إن شاء الله يا محمود. أدعُ لي بالتوفيق."
وبينما كانت تستعد للسفر، شعرت فاطمة بمزيج من الخوف والأمل. كانت تعلم أن هذه الرحلة قد تغير الكثير، وأنها قد تكون بداية فصل جديد في حياتها، وفي حياة عائلة إلياس. كانت رياح التغيير قد بدأت تهب، وفاطمة كانت مستعدة لمواجهتها، مدفوعة بحب والدها، وبإيمانها بالعدل.