نبض يتوارثه الأبناء
الفصل 8 — لقاء عبر السنين ومرارة الاعتراف
بقلم أمل الشمري
الفصل 8 — لقاء عبر السنين ومرارة الاعتراف
وصلت فاطمة إلى البلد العربي المحدد، وهي تحمل في قلبها مزيجًا من الأمل والقلق. كانت تحمل معها الدفتر القديم، وصورة والدها، وصورة إلياس. شعرت بأنها تحمل بين يديها تاريخًا طويلاً، مليئًا بالذكريات والظروف.
استقرت في فندق بسيط، وبدأت رحلة البحث عن إلياس. كانت الخطوات الأولى صعبة. كانت اللغة والتفاصيل المحلية تشكل بعض التحديات، ولكن فاطمة كانت مصممة. استعانت ببعض المعارف الذين ساعدوها في التواصل مع أشخاص قد يكونون على معرفة بإلياس.
كانت الأيام تمر ببطء، وكل يوم كان يحمل معه شعورًا بالإرهاق واليأس. كانت تتساءل هل أخطأت في مجيئها؟ هل ستتمكن من العثور عليه؟ ولكن كلما شعرت بالضعف، كانت تتذكر وجه والدها، وتستجمع قوتها.
بعد أسبوعين من البحث المتواصل، وفي ظهيرة يوم حار، تلقت فاطمة اتصالًا هاتفيًا. كان الصوت يحمل لهجة مختلفة، ولكنه كان يحمل أيضًا خبرًا مفرحًا. لقد وجدوا إلياس! كان يعيش في مدينة أخرى، ولكنه كان لا يزال مقيمًا في البلاد.
شعرت فاطمة بفرحة غامرة. أخيرًا، بعد كل هذا العناء، ها هي تقترب من نهاية رحلتها. استأجرت سيارة، وانطلقت في طريقها إلى المدينة التي يقيم فيها إلياس.
عندما وصلت إلى العنوان، وجدت منزلًا متواضعًا، يبدو عليه القدم. وقفت أمام الباب للحظات، تستجمع شجاعتها. لم تكن تعلم كيف سيتلقى إلياس خبرها، وكيف سيتعامل مع ماضي والدها.
أخذت نفسًا عميقًا، وطرق الباب. فُتح الباب ببطء، وظهر رجل كبير السن، يبدو عليه التعب، ولكن في عينيه بريق من الحكمة. كان هو إلياس.
"نعم، تفضل؟" قال إلياس بصوت خفيض.
"السلام عليكم سيدي. هل أنت السيد إلياس؟"
"أنا هو. ومن أنتِ؟"
"اسمي فاطمة. أنا ابنة السيد أحمد. أتيت من بلد بعيد لأقابلك."
نطق اسم والدها، فارتسمت على وجه إلياس علامات الدهشة والحزن. بدا وكأنه لم يسمع بهذا الاسم منذ زمن طويل.
"أحمد؟ أحمد الذي أعرفه؟" سأل إلياس بصوت مرتجف.
"نعم سيدي. إنه والدي، رحمه الله."
دعا إلياس فاطمة للدخول. كانت الغرفة بسيطة، مليئة بالأثاث القديم. جلسوا على كرسيين متقابلين، وساد الصمت لبضع لحظات.
"كيف حالكِ يا ابنتي؟" سأل إلياس أخيرًا. "لقد مر وقت طويل جدًا."
"الحمد لله سيدي. أنا بخير. أتيت لأخبرك عن والدي."
بدأت فاطمة تحكي قصة والدها، وكيف اكتشفت الدفتر، وكيف كان يشعر بالندم تجاهه. عرضت عليه الدفتر، وصورة والدها.
كان إلياس يستمع بانتباه، وعيناه تترقرق بالدموع. عندما رأى الدفتر، قال: "لم أكن أعلم أن أحمد كان يحتفظ بكل هذا. لم أكن أعلم أنه كان يشعر بكل هذا."
"والدي كان رجلًا صالحًا يا سيدي، ولكنه كان أيضًا إنسانًا. لقد شعر بالذنب طوال حياته، وكان دائمًا يبحث عن طريقة لتعويضك."
"لقد مر وقت طويل يا فاطمة. لقد تحملت الكثير. عندما اختفى أحمد، اعتقدت أنه تخلى عني تمامًا. لقد اضطررت لبدء حياتي من الصفر. كان الأمر صعبًا جدًا."
"أتفهم يا سيدي. والدي لم يكن يريد أن يسبب لك الأذى. ولكنه كان خائفًا. خائفًا من ردة فعل الناس، وخائفًا من الفشل مرة أخرى."
"ربما... ربما كنت أنا أيضًا قاسيًا في حكمي عليه. كنت شابًا غاضبًا، ولم أكن أرى الصورة كاملة."
جلست فاطمة بجانبه، ووضعت يدها على يده. "والدي ترك لكَ هذا المبلغ." وقدمت له مظروفًا مليئًا بالأوراق النقدية. "وهذا وعد منه بأن يعوضك عن كل ما فاتك."
نظر إلياس إلى المظروف، ثم إلى فاطمة، ثم إلى صورة والدها. كانت الدموع تنهمر على وجنتيه. "لم أكن أتوقع هذا أبدًا. أحمد... لم ينساني. لم ينساني أبدًا."
"لم ينسك أبدًا يا سيدي. كان دائمًا يشعر بالحب لكَ."
"أتذكر عندما كنا شبابًا، أحلامنا، طموحاتنا. كنا نظن أننا سنغير العالم. ولكن الحياة لها طرائقها الخاصة."
"الحياة تعلمنا الكثير يا سيدي. وتجعلنا نرى الأمور من منظور مختلف."
تحدثا لساعات طويلة. تبادلا الذكريات، وتحدثا عن الماضي، عن الصعوبات التي مر بها كل منهما. كان لقاءً مليئًا بالمرارة، ولكنه كان أيضًا لقاءً مليئًا بالصفاء.
"أحمد كان دائمًا يقول إن الأمانة والصدق هما أهم ما في الحياة." قال إلياس. "يبدو أنه كان يطبق هذا حتى في غيابه."
"هذا هو ما تعلمته منه يا سيدي. أن الحقوق لا تضيع، وأن الأمانة دين. وحتى لو تأخر، فلا بد أن تصل إلى صاحبها."
"شكرًا لكِ يا فاطمة. شكرًا لأنكِ أتيتِ. لقد كان هذا اللقاء صعبًا، ولكنه شفاني. لقد شعرت بأن قطعة من قلبي عادت إليّ."
"الشكر لكَ يا سيدي. أنتَ كنتَ جزءًا مهمًا من حياة والدي، وكان واجبًا عليّ أن أوفي بالوعد."
قبل أن تغادر فاطمة، قام إلياس بزيارة أخرى لمكتبة قديمة، واشترى كتابًا عن التاريخ، وكتب عليه إهداءً لوالدها: "إلى صديقي القديم أحمد، شكرًا لأنك لم تنساني. أتمنى أن نلتقي في جنات الخلد. إلياس."
عادت فاطمة إلى وطنها وقلبها مليء بالسلام. لقد أنهت مهمتها، ووفّت بالوعد. شعرت بأنها قد أعادت جزءًا من العدل إلى العالم، وأنها قد طمأنت روح والدها. كانت رياح التغيير قد حملتها إلى مكان لم تتوقعه، ولكنها عادت منه أقوى وأكثر حكمة.