حامي المستضعفين
الفصل 2 — أسرار الجد وخبايا القدر
بقلم حسن القادر
الفصل 2 — أسرار الجد وخبايا القدر
في هدوء الليل الذي أعقب الحادثة، جلس يوسف في ورشته. أضاء المصباح القديم المكان بوهجٍ خافت، بينما كانت رائحة الخشب تملأ الهواء. لم يستطع النوم، وعقله يضطرب بين الذهول والإثارة والخوف. كان الحجر الأسود لا يزال بين يديه، يشع ببريقٍ خافتٍ بالكاد يُرى، وكأنه قلبٌ ينبض بالحياة.
"كيف حدث ذلك؟" تمتم يوسف لنفسه. "هل كنت أحلم؟"
أمسك بالكتيب الصغير الذي تركه. كان جلده قديمًا، وصفحاته صفراء من الزمن. بخطٍ دقيقٍ وجميل، كان الكتيب يحكي قصة. قصة جده، الذي لم يكن مجرد نجارٍ بسيط كما كان يظن، بل كان حاميًا لهذا الحي، ورجلًا اختاره القدر ليحمل أمانةً عظيمة.
بدأ يوسف يقرأ. روى الكتيب أن جده، الحاج إبراهيم، كان يمتلك قوىً خارقة، ورثها بدوره عن أجداده. كانت هذه القوى تأتي من أحجارٍ سماويةٍ قديمة، مثل الحجر الأسود الذي وجده يوسف. كان جده يستخدم هذه القوى لحماية الحي من الأشرار، وللمساعدة في تحقيق العدل، لكنه كان دائمًا يفعل ذلك في الخفاء، محافظًا على حياته الطبيعية كنجارٍ بسيط.
"كانت هذه القوى ميراثًا،" قرأ يوسف بصوتٍ مرتجف، "أمانةً توارثتها الأجيال. ومن يمتلكها، يحمل مسؤوليةً عظيمة. مسؤولية الدفاع عن الحق، وحماية الضعفاء، ومقاومة الظلم."
شعر يوسف ببردٍ يسري في عروقه. هل كان هذا يعني أن هذه القوى قد انتقلت إليه؟ هل كان هو الآن "حامي المستضعفين" الذي تحدث عنه جده في الكتيب؟
"لكنني لست جدي،" فكر يوسف بقلق. "أنا مجرد نجار. لا أعرف كيف أستخدم هذه القوى، ولا أملك شجاعته."
تذكر وجه والدته المريض، وحاج أحمد الذي كاد أن يتعرض للأذى. تذكر صرخات الأطفال، وضعف أهل الحي أمام المجرمين. شعر بثقل المسؤولية يزداد. لم يكن الأمر مجرد قوةٍ جسدية، بل كان واجبًا دينيًا وإنسانيًا.
"يجب أن أفهم هذا," قرر يوسف. "يجب أن أعرف كيف أستخدم هذه الأمانة."
تابع قراءة الكتيب. شرح جده فيه كيف أن الأحجار السماوية تمنح صاحبها قوةً خارقة، وسرعةً، وقدرةً على صد الأذى، لكنها تتطلب تدريبًا وصبرًا. كما حذر من استخدامها في الشر أو لأغراضٍ شخصية، لأن ذلك قد يؤدي إلى عواقب وخيمة.
"القوة الحقيقية ليست في القدرة على تدمير الأعداء، بل في القدرة على حماية الأبرياء،" كتب جده. "والشجاعة ليست في عدم الخوف، بل في مواجهة الخوف والقيام بالواجب رغم وجوده."
شعر يوسف ببعض الطمأنينة. لم تكن القوة مجرد سلاح، بل كانت وسيلة لتحقيق الخير. قرر أن يبدأ التدريب فورًا. في تلك الليلة، حاول يوسف استدعاء القوة. أغمض عينيه، وركز على الحجر الأسود. تخيل الدرع الذي ظهر أمامه. في البداية، لم يحدث شيء. ثم، ببطء، شعر بدفءٍ خفيفٍ يسري في يده. ظهر وميضٌ خافتٌ حول يده، وكأنه طاقةٌ غير مرئية.
"إنه يبدأ بالظهور!" قال يوسف بحماسٍ مكتوم.
أمضى يوسف الساعات التالية في محاولةٍ متكررةٍ لفهم آلية عمل القوة. اكتشف أنه كلما زاد تركيزه على هدفه، وكلما زاد إيمانه بعدالة قضيته، زادت قوة الحجر. أدرك أن هذه القوى ليست مجرد هبة، بل هي استجابةٌ لإرادته الصادقة وعزيمته القوية.
في الصباح، كان يوسف متعبًا، لكنه كان يشعر بتغييرٍ عميقٍ بداخله. ذهب إلى والدته، وقبّل يدها.
"صباح الخير يا أمي," قال وهو يحاول أن يبدو طبيعيًا.
"صباح النور يا بني،" قالت فاطمة، "تبدو متعبًا. هل سهرت طويلاً في الورشة؟"
"نعم يا أمي، كان لدي بعض العمل," أجاب يوسف. "كيف تشعرين اليوم؟"
"الحمد لله، أفضل قليلاً," أجابت. "لكنني قلقة عليك. هذه المدينة أصبحت خطرة."
تنهد يوسف. "لا تقلقي يا أمي. سأعتني بك وبنفسي. ولن أدع أحدًا يؤذينا."
خلال الأيام التالية، واصل يوسف تدريبه السري. كان يذهب إلى أماكن مهجورة، ويحاول تفعيل القوة، وتكوين الدرع، وحتى محاولة تحريك الأشياء الصغيرة بقوة عقله. كان الأمر صعبًا، ويتطلب تركيزًا هائلاً، لكنه كان يشعر بالتقدم. كان يتدرب على حركاتٍ سريعةٍ وقوية، مستفيدًا من قوته المتزايدة.
في نفس الوقت، بدأ يوسف يراقب الحي بحذرٍ أكبر. لاحظ وجود أشخاصٍ غرباء يتجولون في الأزقة، ويبدو أنهم يراقبون الناس. كان يعلم أن اللصوص الذين هاجموا الحاج أحمد ربما يكونون جزءًا من شبكةٍ أكبر.
في أحد الأيام، بينما كان يوسف عائدًا من السوق، لمح ثلاثة رجالٍ يحيطون بامرأةٍ عجوزٍ وحيدة، ويحاولون انتزاع حقيبتها. لم يفكر يوسف مرتين. أسرع نحوهم، والحجر الأسود في جيبه يتوهج.
"اتركوها وشأنها!" صرخ يوسف.
توقف الرجال، ونظروا إليه بتهديد. لكن هذه المرة، كان يوسف مستعدًا. شعر بالقوة تتدفق عبره. ظهر درعٌ خفيفٌ حول جسده. اندفع نحو الرجال، لم يكن يقاتل بعنف، بل كان يستخدم سرعته وخفته ليتفادى هجماتهم، ويدفعهم بعيدًا عن المرأة. تمكن من إزعاجهم بشكلٍ كافٍ ليفروا، تاركين الحقيبة مع المرأة.
"شكرًا لك يا بني! بارك الله فيك!" قالت المرأة وهي ترتعد.
"لا شكر على واجب، يا جدتي," قال يوسف بابتسامةٍ دافئة، وهو يعيد إليها حقيبتها.
شعر يوسف بارتياحٍ عميق. لقد نجح في استخدام قوته مرةً أخرى، ليس لإلحاق الأذى، بل للحماية. أدرك أن الطريق سيكون طويلاً وصعبًا، لكنه كان على استعدادٍ للمضي قدمًا. كان لديه إرثٌ ليحميه، ومسؤوليةٌ ليتحملها. كان "حامي المستضعفين" قد بدأ رحلته.