حامي المستضعفين
الفصل 3 — ظلٌ في الأزقة ونداءٌ خافت
بقلم حسن القادر
الفصل 3 — ظلٌ في الأزقة ونداءٌ خافت
مرت أسابيع على بداية تدريب يوسف. كان يعيش حياةً مزدوجة. في النهار، كان النجار المخلص، يعتني بوالدته المريضة، ويعمل في ورشته، متظاهرًا بأن كل شيءٍ على ما يرام. وفي الليل، كان يراقب حيّه، يتجول في الأزقة المظلمة، ويحاول صقل مهاراته الخارقة. كان الكتيب الذي تركه جده مرشده، يحمل له النصائح والتوجيهات.
"كلما استخدمت القوة للخير، كلما ازدادت قوتك." كانت هذه هي القاعدة الذهبية التي كان يتبعها. كان يتجنب المواجهات المباشرة قدر الإمكان، ويفضل استخدام ذكائه وسرعته لتجنب المشاكل أو حلها بأقل قدرٍ من العنف.
لم يكن يوسف يتحدث عن قوته لأحد، حتى لوالدته. كان يعلم أنها ستقلق عليه كثيرًا، وقد تحاول منعه. لقد رأى كيف كان الخوف يتملكها حتى من المجردين، فكيف سيكون رد فعلها لو عرفت أنه يواجه خطرًا حقيقيًا؟
في أحد الأيام، بينما كان يوسف يشتري بعض الأدوية لوالدته، سمع أحاديث جانبية بين الناس. كانت الأحاديث تدور حول اختفاءات غريبة تحدث في المدينة. اختفى شابٌ صغيرٌ كان يعمل في أحد المصانع، واختفت فتاةٌ كانت عائدةً من دراستها. لم تكن الشرطة قادرةً على إيجاد أي أثرٍ لهم. انتشر الخوف والهمس في أرجاء المدينة، وبدأ الناس يتجنبون الخروج ليلاً.
شعر يوسف بقلقٍ متزايد. هل كانت هذه الاختفاءات مرتبطة باللصوص الذين هاجموا الحاج أحمد؟ هل كان هناك من يستغل فوضى الليل لارتكاب جرائم أفظع؟
"يجب أن أتحقق من الأمر," قال يوسف لنفسه. "لا يمكنني أن أترك هؤلاء الناس يختفون دون سبب."
في تلك الليلة، قرر يوسف أن يتجاوز حدود حيه. ارتدى ملابس داكنة، ووضع الحجر الأسود في جيبه، وتسلل في الظلام. بدأ بالبحث في المناطق التي سمع أن الاختفاءات وقعت فيها. كانت شوارع المدينة واسعة وأكثر إضاءة من حيّه، لكنها كانت خاليةً إلا من بعض الظلال المريبة.
بينما كان يتجول بالقرب من منطقة المستودعات القديمة، سمع صوتًا مكتومًا. صوتٌ يبدو كأنه صراخٌ يحاول أن يكتم. اختبأ يوسف خلف صندوقٍ خشبي كبير، وحاول تحديد مصدر الصوت. كان الصوت قادمًا من داخل مستودعٍ مهجور.
اقترب يوسف بحذر. اختلس النظر من نافذةٍ محطمة. رأى مشهدًا مروعًا. في وسط المستودع، كان هناك ثلاثة رجالٍ أقوياء، يرتدون ملابس سوداء، ويقودون شابًا مقيد اليدين، يبدو أنه هو من كان يصرخ. كان الشاب يبدو منهكًا وخائفًا.
"أسرعوا! يجب أن ننتهي من هذا قبل أن يصل أي أحد!" قال أحدهم بصوتٍ أجش.
"لماذا تفعلون هذا؟" سأل الشاب بصوتٍ مرتعش. "ماذا تريدون مني؟"
ضحك الرجل الآخر بسخرية، "هذا ليس من شأنك. أنت مجرد دمية في لعبة أكبر."
شعر يوسف بالغضب يتصاعد في داخله. هؤلاء ليسوا مجرد لصوص عاديين، بل يبدو أنهم يعملون لصالح جهةٍ ما. قرر يوسف أن يتدخل.
"هذا يكفي!" قال يوسف بصوتٍ قوي، وخرج من مخبئه.
التفت الرجال إليه بدهشة. لم يتوقعوا وجود أحد.
"من أنت؟" سأل أحدهم، ملوحًا بسكين.
"أنا الشخص الذي سيوقفكم،" أجاب يوسف، وهو يضع يده على الحجر الأسود.
شعر يوسف بالقوة تتدفق عبره. ظهر الدرع الخفيف حوله. اندفع نحو الرجال. استخدم سرعته وقوته ليتفادى هجماتهم، وليشغلهم عن الشاب. بدأ الرجل الثالث بمحاولة تحرير الشاب، لكن يوسف تمكن من دفعه بقوةٍ خاطفة.
"لا تقلق، سأحررك!" قال يوسف للشاب.
قاتل يوسف ببراعة. كان كلما ركز على هدفٍ معين، كلما أصبحت حركاته أسرع وأكثر دقة. تمكن من تحييد اثنين من الرجال، لكن الثالث، الذي بدا أنه زعيمهم، كان أكثر قوةً وصعوبة.
"ظننت أنك مجرد فتى عادي!" قال الزعيم بغضب. "لكن يبدو أن لديك بعض الحيل."
اندفع الزعيم نحو يوسف، وبدأ هجومًا شرسًا. كان يوسف يصد ضرباته، لكنه شعر بالإرهاق يتسلل إليه. كانت هذه أول مرة يواجه فيها خصمًا بهذه القوة.
"يجب أن أستخدم كل قوتي،" فكر يوسف.
ركز يوسف على الحجر الأسود، واستدعى كل طاقته. بدا أن الضوء المنبعث من الحجر أصبح أكثر سطوعًا. في لحظةٍ مناسبة، اندفع يوسف نحو الزعيم، ووجه ضربةً قويةً بالدرع الخفيف. أصابت الضربة الزعيم بقوة، مما جعله يترنح ويسقط على الأرض.
"هذا ما تستحقونه!" قال يوسف وهو يلهث.
أسرع يوسف نحو الشاب، وقام بتحريره من قيوده.
"هل أنت بخير؟" سأل يوسف.
"نعم... نعم، شكرًا لك!" قال الشاب بامتنان، "لقد أنقذت حياتي."
"هؤلاء الرجال... من هم؟ وماذا كانوا يريدون؟" سأل يوسف.
"لا أعرف بالضبط،" أجاب الشاب، "لكنهم كانوا يتحدثون عن شيءٍ يتعلق بـ... 'الدم الجديد'. أعتقد أنهم كانوا يختطفون الناس لسببٍ ما."
"الدم الجديد؟" تمتم يوسف. "هذا غريب."
قرر يوسف أن يأخذ الشاب معه إلى مكانٍ آمن. قبل أن يغادروا، نظر يوسف إلى الرجال الملقين على الأرض. لم يقتلهم، بل تركهم مصابين وغير قادرين على الحركة. "هذا درسٌ لكم،" قال لنفسه.
عاد يوسف بالشاب إلى حيّه، وأرشده إلى منزله. ثم عاد إلى ورشته، وقلبه مليءٌ بالأسئلة. "الدم الجديد"... "لعبة أكبر"... ما الذي كان يحدث في هذه المدينة؟ هل كانت هناك قوىً شريرةٌ تعمل في الظل؟
شعر يوسف بأن مسؤوليته قد ازدادت. لم يعد الأمر يتعلق فقط بحماية حيه، بل ربما بحماية المدينة بأكملها. نظر إلى الحجر الأسود، وشعر بثقله. لقد أصبح "حامي المستضعفين" حقًا، وكان عليه أن يكون مستعدًا لكل التحديات.