نور العدل
الفصل 14 — المعركةُ الحاسمةُ في الظلام
بقلم جمال الحق
الفصل 14 — المعركةُ الحاسمةُ في الظلام
لم يكن "نور الدين" بحاجةٍ إلى الكثير من الوقت لفهم حجم المأزق. فبعد أن ترك "ليلى" في مأمنٍ نسبي، تحرك بسرعةٍ البرق نحو المكان الذي كان يعتقد أن "فؤاد" يتواجد فيه. كانت المدينة قد انغمست في ظلامٍ كثيف، لم يكن ظلام الليل فحسب، بل كان ظلام الخوف والفوضى الذي زرعه المهاجمون.
وصل "نور الدين" إلى المبنى المهجور الذي كان "فؤاد" قد اتخذه مقرًا مؤقتًا. كانت الأبواب محطمة، والنوافذ مكسورة، وكأن عاصفةً قد مرت بالمكان. شعر "نور الدين" بقلبٍ ينقبض.
"فؤاد! هل تسمعني؟" نادى بصوتٍ قوي، لكن صدى صوته كان يتردد في المكان الخالي.
لم يأتِ أي رد. فقط صمتٌ مطبقٌ وصوتٌ لصفارات الإنذار البعيدة.
دخل "نور الدين" بحذر، وكل حواسه كانت في حالة تأهبٍ قصوى. كانت هناك آثارُ قتالٍ واضحة. أثاثٌ مبعثر، قطعٌ من الزجاج، وبعضُ آثار الدم على الأرض.
"لا، ليس أنت يا فؤاد." تمتم "نور الدين"، وشعر بأن الألم الذي عاشه في وقتٍ سابقٍ يتجدد.
وبينما كان يتفحص المكان، لفت انتباهه شيءٌ ما. قطعةٌ صغيرةٌ من القماش، ملطخةٌ بالدم، كانت عالقةً في زاويةٍ مكسورة. كانت من نفس قماش العباءة التي كان يرتديها "فؤاد" دائمًا.
"لقد أخذوه." قال "نور الدين" بصوتٍ متحشرج. "لقد أخذوا 'فؤاد'."
شعر بغضبٍ عارمٍ يجتاحه. لم يكن غضبًا أعمى، بل كان غضبًا نابعًا من إرادةٍ قويةٍ لحماية من يحب، ولتحقيق العدل.
"من فعل هذا؟" همس، وبدأت عيناه تتوهجان بلونٍ أزرقٍ غامق. "سأجدكم، وسأجعلكم تدفعون الثمن."
نظر إلى السماء، التي كانت مليئةً بالنجوم الخافتة. كانت تبدو بعيدةً وهادئة، وكأنها لا تعلم شيئًا عن المعركة الدائرة في الأسفل.
"يا إلهي، امنحني القوة." دعا بصمت. "القوة لمواجهة هذا الظلام، والقوة لتحرير صديقي."
في تلك اللحظة، شعر بحركةٍ مفاجئةٍ خلفه. استدار بسرعة، ليجد نفسه وجهًا لوجه مع الرجل ذي القناع الأسود، والشعار الغامض.
"لقد وصلت متأخرًا يا بطل العدل." قال الصوت المشوه، وكان يحمل نبرةً من السخرية. "صديقك لم يعد هنا."
"أين أخذتموه؟" صرخ "نور الدين".
"هذا ليس من شأنك. أنت هنا لتواجهني أنا."
"لماذا تفعلون كل هذا؟ من أنتم؟"
"نحن الظل. نحن القوة التي ستعيد النظام إلى هذا العالم الممزق. وأنتم، نور العدل، مجرد عقبةٍ في طريقنا."
"لن أسمح لكم بإيذاء الأبرياء."
"الأبرياء؟ من هم الأبرياء؟ كل من ليس معنا، هو ضدنا."
اندفع الرجل الظل نحو "نور الدين" بسرعةٍ لا تصدق. كان قتاله وحشيًا، مدمرًا. كان يستخدم قوةً خارقة، وكأن جسده يمتلك قدراتٍ تفوق الطبيعة.
بدأت المعركة. كانت قوة "نور الدين" النورانية تتصادم مع القوة المظلمة للظل. كانت الشرارات تتطاير في الظلام، والأصوات تصم الآذان.
كان "نور الدين" يشعر بالإرهاق. قوة خصمه كانت هائلة، وأكثر تنوعًا مما واجهه من قبل. كان الرجل الظل يمتلك سرعةً فائقة، وقوةً جسديةً مدمرة، وقدرةً على التخفي والظهور في أماكن مفاجئة.
"أنت قوي." قال "نور الدين"، وهو يتفادى ضربةً كادت أن تسحقه. "لكن قوتك مبنيةٌ على الخوف والدمار. قوتي مبنيةٌ على الأمل والعدل."
"الأمل؟ العدل؟ كلماتٌ فارغةٌ في عالمٍ يحكمه القوي." سخر الظل.
"العالم يحتاج إلى نورٍ ليميز بين الخير والشر." قال "نور الدين"، وبدأ يجمع كل طاقته.
كان يفكر في "ليلى"، في "فؤاد"، في كل الأبرياء الذين يدافع عنهم. كانت هذه الأفكار هي وقوده، هي مصدر قوته.
بدأت القوة النورانية لـ "نور الدين" تزداد سطوعًا، تشق الظلام المحيط به. كان يحاول أن يستخدم قوته ليس فقط للهجوم، بل للدفاع، ولإيجاد ثغرةٍ في دفاعات خصمه.
فجأة، لاحظ "نور الدين" شيئًا. عندما كان الظل يركز كل قوته في ضربةٍ قوية، كان هناك جزءٌ صغيرٌ من جسده يظهر كضعيف، كنقطةٍ يمكن استغلالها.
"لقد وجدتها." قال لنفسه.
انتظر "نور الدين" اللحظة المناسبة. وعندما وجه الظل ضربةً مدمرة، استغل "نور الدين" الثغرة، وركز كل قوته في لكمةٍ واحدة، موجهةً نحو تلك النقطة الضعيفة.
انطلقت القوة النورانية كشعاعٍ قوي، اصطدمت بالظل. شعر الظل بالألم، وبدأت قوته تتلاشى.
"مستحيل!" صرخ. "كيف فعلت ذلك؟"
"قوة العدل أقوى من أي ظلام." قال "نور الدين"، وهو يقف منتصبًا، رغم الإرهاق.
بدأ الظل يتراجع، وكأنه يذوب في الظلام.
"هذه ليست نهاية المطاف!" صرخ قبل أن يختفي تمامًا. "سنعود، وسننتصر!"
صمت المكان بعد رحيل الظل. عاد الهدوء، لكنه كان هدوءًا مشوبًا بالحزن والقلق. لقد هزم "نور الدين" خصمه، لكنه لم يستطع إنقاذ "فؤاد".
"أين ذهب؟" تمتم "نور الدين"، وشعر بخيبة أملٍ شديدة.
بينما كان يحاول استيعاب ما حدث، سمع صوتًا خافتًا من بعيد. صوتٌ يأتي من داخل المبنى.
"نور الدين... ساعدني..."
عرف "نور الدين" هذا الصوت. كان صوت "فؤاد".
تحرك نحو مصدر الصوت، وبدأ يزيح الأنقاض. ثم رآه. كان "فؤاد" محتجزًا داخل صندوقٍ معدنيٍّ قوي، يبدو أنه كان جزءًا من العملية التي خطط لها "الظل".
"فؤاد! أنا هنا!"
"لقد... لقد كانوا سيئون جدًا..." قال "فؤاد" بصوتٍ ضعيف. "لقد استجوبوني... وحاولوا إجباري على تقديم المزيد من المعلومات..."
"لا تقلق، سأخرجك."
استخدم "نور الدين" قوته لفتح الصندوق المعدني. وبمجرد أن خرج "فؤاد"، استقبله "نور الدين" بكتفه، داعمًا إياه.
"أنا آسف يا 'نور الدين'." قال "فؤاد" وهو يبكي. "لقد خنتك."
"لقد دفعت الثمن يا 'فؤاد'. والآن، علينا أن نتعلم من أخطائنا."
نظر "نور الدين" إلى "فؤاد"، ورأى فيه الألم والندم. ربما كان هذا هو بداية طريق التصالح.
"يجب أن نعود إلى 'ليلى'." قال "نور الدين". "لقد تعرضت للأذى أيضًا."
وبينما كانا يسيران في الظلام، كان "نور الدين" يفكر في "الظل"، وفي الشعار الغامض. لقد كان هذا مجرد بدايةٍ لمعركةٍ أكبر، معركةٍ تتطلب منه أن يكون أقوى، وأكثر حذرًا.
لم يكن يعرف أن العدو الحقيقي، العدو الذي يمتلك القوة والذكاء لزعزعة استقرار المدينة بأكملها، لم يكن قد كشف عن وجهه الحقيقي بعد.