غيث المظلومين
الفصل 22 — أشباح الماضي ونداء الواجب
بقلم عادل النور
الفصل 22 — أشباح الماضي ونداء الواجب
كانت الشمس قد بلغت كبد السماء، تلقي بوهجها القوي على مدينة "نبراس"، وتكشف عن آثار المعركة التي دارت رحاها ليلة أمس. رغم أن "الساحر الأسود" قد هُزم، إلا أن بقايا الظلام كانت لا تزال تلوح في الأفق، وكأنها ترفض الاستسلام بسهولة. في أروقة قصر "الشيخ سالم"، كان الجميع يستيقظون على أصداء الأحداث الغامضة، وقد انتشر بينهم شعور بالخوف والارتباك.
"الشيخ سالم" نفسه، كان جالسًا في مكتبه، وقد علا وجهه الشحوب. لقد سمع أصواتًا غريبة، ورأى ظلالًا تتحرك بسرعة في الخارج، وشعر بأن شيئًا جللًا قد حدث. لم يكن يفهم تمامًا ما جرى، ولكنه كان يشعر بأن ابنتيه، "ليلى" و"نور"، كانتا في خطر.
"أين غيث؟" سأل بصوت مرتجف، وهو ينظر إلى أحد الحراس الواقفين أمامه. "لم أره منذ الصباح. هل تأكدتم من سلامته؟"
"نعم يا سيدي،" أجاب الحارس باحترام. "لقد رأيته مع الأميرة ليلى عند الفجر. بدا بخير، ولكنه كان يتحدث معها بهدوء. يبدو أنه كان يحاول طمأنتها."
تنهد "الشيخ سالم" بارتياح. كان "غيث" دائمًا مصدر الأمان بالنسبة له ولعائلته. لقد أظهر قدرات خارقة للطبيعة، وقاتل بشجاعة لا مثيل لها. لكنه كان يعلم أيضًا أن هذه القوى تأتي بثمن، وأن "غيث" قد يكون في خطر دائم.
في هذه الأثناء، كان "غيث" قد غادر القصر، وتوجه نحو مخبئه السري. كانت هناك أمور كثيرة تتطلب منه التفكير والتخطيط. لم يكن هزيمة "الساحر الأسود" نهاية المطاف، بل كانت مجرد جولة أولى في معركة أطول وأكثر تعقيدًا. كان يعلم أن "الساحر الأسود" يمتلك أتباعًا، وأن هناك قوى أخرى قد تستغل هذا الفراغ في السلطة لزيادة الفوضى.
وصل "غيث" إلى كهفه المخفي، حيث كانت أدواته ومعداته تنتظره. لقد كان هذا المكان هو ملاذه، حيث يمكنه أن يكون على طبيعته، وأن يفكر في كيفية مواجهة التحديات القادمة. بدأ بفحص درعه الخاص، الذي كان مصنوعًا من مادة غريبة، تتلألأ ببريق معدني، وتمتص الصدمات. لقد كان هذا الدرع حمايته، ولكن كان يعلم أن الحماية الحقيقية تكمن في قوته الداخلية، وفي إيمانه بالحق.
بينما كان يجهز نفسه، شعر "غيث" فجأة بتيار من الطاقة السلبية يتدفق نحوه. كانت طاقة مألوفة، تحمل في طياتها رائحة الشر والظلام. لقد كانت طاقة "الساحر الأسود" أو ربما أحد أتباعه.
"لقد عدت، أيها البطل،" سمع صوتًا عميقًا وشريرًا يتردد في الكهف. لم يكن الصوت قادمًا من الخارج، بل بدا وكأنه يأتي من أعماق الظلام.
ظهر في وسط الكهف شبح ضبابي، يتخذ شكل رجل طويل القامة، يرتدي عباءة سوداء، وملامحه غير واضحة، لكن عينيه كانتا تشتعلان بنار حمراء. لقد كان أحد أتباع "الساحر الأسود"، وقد جاء لينتقم.
"هل تعتقد أنك هزمت سيدي؟" سخر الشبح، وصوته يحمل نبرة تهكم. "لقد ارتكبت خطأ فادحًا، أيها الأحمق. لقد أيقظت غضبًا أكبر مما تتخيل."
وقف "غيث" شامخًا، ولم يظهر عليه أي خوف. "لقد واجهت الشر في أشكاله المتعددة، ولن أخاف منك."
"شجاعتك ستكون سبب دمارك،" قال الشبح، وبدأ يلوح بيديه، ناشرًا سحبًا من الدخان الأسود في أرجاء الكهف. "سوف أريك قوة أسيادي. سوف تجعل الأرض تبتلعك."
بدأت الأشياء في الكهف تتحرك بشكل عشوائي، وكأن قوة غامضة تحاول تدمير كل شيء. صخور تتساقط، وتصدعات تظهر في الجدران. شعر "غيث" بضيق في التنفس، وكأن الهواء أصبح ثقيلًا وملوثًا.
"هذه مجرد بداية،" أعلن الشبح منتصرًا. "لقد أرسل سيدي لي رسالة. رسالة تقول إن انتقامه قادم، وإن المدينة ستحترق."
تذكر "غيث" على الفور "نور"، أخت "ليلى" الصغرى، التي كانت دائمًا ما تكون هدفًا للضعفاء. لقد كانت لطيفة وبريئة، ولم يكن يرغب في أن تمسها يد سوء.
"إذا حاولت إيذاء أي شخص بريء، فسوف أجعلك تندم على اليوم الذي ولدت فيه،" توعد "غيث" بصوت قوي، ومليء بالتصميم.
"ههههه!" ضحك الشبح ضحكة مرعبة. "أنت تظن أنك تستطيع حمايتهم؟ أنت مجرد شخص واحد. وسيدي لديه جيش من الأشباح والظلال."
لم ينتظر "غيث" أكثر من ذلك. لقد شعر بالغضب يتصاعد بداخله، ولكنه حاول أن يتحكم فيه. كان يعلم أن الغضب الأعمى هو ما يريده أعداؤه.
"لقد استهنت بقوة الحق،" قال "غيث"، وبدأ يجمع طاقته. شعر بأن قواه الخارقة تستجيب لنداء الواجب. بدأت هالة زرقاء تتوهج حول جسده، وتشتد قوة.
"قواك لن تنفعك أمام سحري الأسود!" صرخ الشبح، وبدأ يلقي تعاويذه.
اندفع "غيث" نحو الشبح، متجنبًا بصعوبة الشعاع الأسود الذي أطلقه. لقد كانت معركة سريعة وعنيفة. كانت الطاقة تتطاير في كل مكان، وتتصدى قوى النور والظلام لبعضها البعض.
في لحظة ما، تمكن "غيث" من الإمساك بالشبح. شعر بأن يديه تخترق الضباب، ولكنه لم يترك.
"استسلم!" قال "غيث" بصوت قاطع. "هذه هي فرصتك الأخيرة."
"الموت أرحم لي من الاستسلام لك!" صرخ الشبح، وبدأ جسده يتفكك إلى جزيئات من الدخان الأسود.
شعر "غيث" بالارتياح وهو يرى الشبح يتلاشى. لقد انتصر مرة أخرى، ولكن كان يعلم أن هذا النصر مؤقت. كانت هناك أشباح أخرى تنتظر، ونداءات الواجب لا تتوقف.
بينما كان يخرج من الكهف، نظر إلى السماء، وشعر بثقل المسؤولية يزداد. لقد كان عليه أن يكون مستعدًا دائمًا، وأن يحمي هذه المدينة من كل ما يهددها. لقد كانت أشباح الماضي قوية، ولكنها لم تكن أقوى من إرادته في حماية المستقبل.