الفصل 2 / 25

بدر السماء

الفصل 2 — همسات القدر في بيت العم صالح

بقلم جمال الحق

الفصل 2 — همسات القدر في بيت العم صالح

كان بيت العم صالح، خال محمد، ملاذاً للهدوء والسكينة. يقع هذا البيت في ضاحيةٍ هادئةٍ من المدينة، تحيط به أشجارٌ وارفةٌ تمنحه طابعاً ريفياً دافئاً. العم صالح، رجلٌ تجاوز الخمسين من عمره، يتمتع بحكمةٍ وهدوءٍ قلما تجدهما في هذا الزمن. كان يعمل مدرساً متقاعداً للتاريخ، ولديه شغفٌ لا ينتهي بالبحث عن جذور الحضارات والأسرار القديمة. زوجته، الحاجة أمينة، سيدةٌ طيبةٌ وفاضلة، تمتاز بعطفها الزائد واهتمامها الشديد بأسرتها.

كانت زيارات محمد المتكررة لمنزل خالته وابنة خالته، سارة، تحمل أبعاداً أعمق من مجرد صلة القرابة. سارة، شابةٌ ذكيةٌ ونشيطة، تدرس في كلية الهندسة، ولديها شغفٌ بالعلم والابتكار. كانت تجمع بين جمال الروح ورقة القلب، وكانت ترى في محمد أكثر من مجرد قريب. كانت ترى فيه ذلك الصديق الذي يمكنها أن تبوح له بأعمق أفكارها ومخاوفها، دون خوفٍ من حكمٍ أو استهجان.

في إحدى الزيارات، لاحظ العم صالح شيئاً غير عادي في محمد. كان محمد، الذي يتمتع غالباً بنظرةٍ حادةٍ وفارقة، يبدو شارد الذهن، وكأن هموماً عظيمةً تثقل كاهله. سأله العم صالح بكلماتٍ هادئة: "ما بالك يا بني؟ أراك شارد الذهن اليوم. هل من أمرٍ يشغل بالك؟"

نظر محمد إلى خالته، ثم إلى سارة، وشعر بالثقة تدفعه ليبوح ببعضٍ مما يدور في خلده. لم يستطع أن يكشف عن قدراته الخارقة، لكنه استطاع أن يتحدث عن شعوره بالمسؤولية، وعن رؤيته للظلم، وعن رغبته في فعل الخير. قال محمد بصوتٍ متهدجٍ قليلاً: "يا عمي، أشعر بأنني أرى العالم بطريقةٍ مختلفة. أشعر بأن هناك أشياءً تحدث لا يراها الآخرون، وأشعر بواجبٍ عليّ تجاه هؤلاء الذين يعانون."

ابتسم العم صالح ببطء، وعيناه تلمعان بذكاءٍ عميق. قال: "يا بني، إن رؤية العالم بطريقةٍ مختلفة هي موهبةٌ عظيمة. ولكنها تتطلب أيضاً حكمةً لتوظيفها. لا يملك كل إنسانٍ هذه الرؤية، ولذلك، قد يشعر البعض بالخوف أو الغرابة تجاه ما لا يفهمونه. تذكر دائماً أن الحكمة هي مفتاح كل شيء."

ثم تناول كتاباً قديماً كان يحمله بين يديه، وأشار إلى إحدى الصفحات. كان الكتاب يتحدث عن الأبطال في الأساطير القديمة، وعن مسؤولياتهم تجاه مجتمعاتهم. قال العم صالح: "كل بطلٍ حقيقي، يا بني، ليس مجرد من يملك القوة، بل من يملك الإرادة لاستخدامها في سبيل الحق والعدل. وأنبل صور القوة هي تلك التي تُستخدم لحماية الضعيف، ولإصلاح ما فسد."

كانت كلمات العم صالح بمثابة بلسمٍ على روح محمد. شعر بأن خالته يدرك بعضاً مما يعانيه، وأنه يقدم له الدعم والتوجيه. أما سارة، فكانت تستمع بانتباهٍ شديد، وعيناها تتابعان تعابير وجه محمد. شعرت بأن هناك قصةً أكبر خلف كلماته، وأن هناك جوانب في شخصيته لم تكتشفها بعد.

خلال الأيام التالية، بدأ العم صالح يشارك محمد قصصاً وحكماً من التاريخ، ويربطها بواقعه. كان يحدثه عن الشخصيات التي غيرت مجرى التاريخ، وعن التضحيات التي قدمت من أجل المبادئ. كان يشجعه على القراءة، وعلى التعمق في فهم الطبيعة البشرية، وعلى تطوير قدراته العقلية بالإضافة إلى قدراته الجسدية.

ذات مساءٍ، بينما كان محمد وسارة يتمشيان في حديقة منزل العم صالح، توقف محمد فجأةً. كان ينظر إلى السماء، ثم إلى شجرةٍ قديمةٍ في وسط الحديقة. قال لسارة بذهول: "هل ترين هذا؟"

نظرت سارة إلى حيث يشير، ولم ترَ شيئاً غير عادي. قالت: "ماذا تقصد يا محمد؟ أرى الشجرة فقط."

ابتسم محمد ابتسامةً غامضة. قال: "لا، لا. أنا أرى شيئاً آخر. أرى طاقةً تتجمع حول هذه الشجرة، وكأنها تستقبل ضوء القمر بطريقةٍ خاصة."

فهمت سارة حينها أن محمد يرى العالم بطريقةٍ فريدة. لم تسأله عن تفاصيل، بل اكتفت بالقول: "ربما أنت فقط من يمتلك هذه الرؤية الخاصة يا محمد. هذا شيءٌ جميل."

بدأت سارة، بفضولها العلمي، تطرح على محمد أسئلةً تتعلق بقدراته. لم يكن محمد يجيب بشكلٍ مباشر، لكنه كان يصف لها ما يشعر به، وما يراه. كانت سارة تحاول أن تفهم هذه الظواهر من منظورٍ علمي، وكانت تتحدث عن الطاقة، عن الموجات، عن المجالات الكهرومغناطيسية. كانت تفهم أن محمد يحمل شيئاً استثنائياً، وشعرت بالرغبة في مساعدته على فهم هذا الأمر.

في إحدى المرات، وبينما كانا يتحدثان، قال محمد: "في بعض الأحيان، أشعر بأن هذه القدرات ليست مني وحدي. أشعر بأن هناك شيئاً يتصل بي، شيئاً أكبر وأقدم."

نظر العم صالح إليهما، وقال بابتسامةٍ خفيفة: "يا بني، القدر أحياناً يلقي بظلاله علينا، ويدفعنا نحو مساراتٍ لم نكن نتوقعها. ولكن، المهم هو أن نختار مسارنا بحكمةٍ وإيمان."

كانت هذه الفترة بمثابة نقطة تحولٍ لمحمد. كان يشعر بأن خالته وعائلته هم سندٌ له. وبفضل توجيهات العم صالح، وبدعم سارة، بدأ يفهم أن قدراته ليست مجرد قوةٍ خارقة، بل هي دعوةٌ لحمل مسؤوليةٍ عظيمة. كان يعلم أنه سيحتاج إلى أكثر من القوة الجسدية؛ سيحتاج إلى الحكمة، والصبر، والإيمان.

في ليلةٍ من ليالي هذه الزيارات، وبينما كان القمر بدراً ساطعاً في السماء، شعر محمد بطاقةٍ غريبةٍ تتغلغل فيه. كانت طاقةً نقيةً، قويةً، ومليئةً بالوعود. نظر إلى السماء، ورأى انعكاساً لوجهه في ضوء القمر. شعر بأن اسمه، "بدر السماء"، ليس مجرد لقبٍ أطلقه عليه الناس، بل هو مصيرٌ ينتظره. كان يشعر بأن هذه الليلة بدايةً لفصلٍ جديدٍ في حياته، فصلٍ سيحمل معه مسؤولياتٍ أكبر، وتحدياتٍ أعظم.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%