الفصل 12 / 25

قلب المؤمن

صراع الأفكار وصداح الأمل

بقلم حسن القادر

تسللت خيوط الشمس الأولى لتوقظ "زينب" من سباتٍ لم يكن عميقًا. ظلت تفكر في لقائها الأخير مع "نور الدين"، وفي التحذيرات التي أطلقها، وفي الخطط المظلمة التي تُحاك ضد السلام. كانت الكلمات تتصارع في رأسها: "الحرب"، "الفتنة"، "السلطة"، "الخوف". شعرت بثقل المسؤولية يقع على كتفيها، مسؤوليةٌ لم تكن تتوقعها يومًا. كانت دائمًا ترى نفسها مجرد فتاةٍ تعيش في عزلةٍ نسبية، تهتم بأمور منزلها، وتتعلم من والدها، وتجد سعادتها في القراءة والتفكر. لكن الأحداث المتسارعة، وحضور "نور الدين" في حياتها، قد دفعاها إلى واجهةٍ لم تعهدها، واجهةٍ تتطلب منها الشجاعة والحكمة والقدرة على اتخاذ القرارات.

كانت والدتها لا تزال تعاني من وعكة صحية، مما منحها ذريعةً للبقاء في الخيمة، وتجنب التجمعات القبلية التي قد تشهد نقاشاتٍ حادة. استغلت زينب هذا الوقت في التأمل. كانت تراجع كل كلمة قالها "نور الدين"، وكل معلومةٍ استقتها من خلال أسئلتها. أدركت أن المشكلة لا تكمن في القبائل نفسها، بل في قادةٍ يسعون إلى مصالحهم الخاصة، ويسيطرون على عقول الناس بالخوف والوهم.

"ماذا لو كان "نور الدين" على حق؟" تساءلت في سرها. "ماذا لو كانت هناك خطةٌ حقيقية لإشعال الحرب؟" بدأت تبحث في الكتب القديمة التي تركها والدها، الكتب التي تتحدث عن التاريخ، وعن الصراعات بين القبائل في الماضي. وجدت فيها قصصًا مشابهة، عن قادةٍ استغلوا الخوف لتحقيق أهدافهم، وعن مجتمعاتٍ دمرتها الصراعات الداخلية.

في ظهيرة ذلك اليوم، وصل خبرٌ إلى خيمة الشيخ "جابر"، والد زينب. كان الخبر يتعلق بوفدٍ قادم من قبيلة "الرمال"، قبيلةٌ كانت بينها وبين قبيلة الشيخ "جابر" خصومةٌ قديمة. كان الوفد يطلب عقد اجتماعٍ عاجل مع شيوخ القبيلة. شعر الشيخ "جابر" بالقلق، فهو يعلم أن مثل هذه الاجتماعات غالبًا ما تكون مقدمةً لتوتراتٍ جديدة.

"ماذا يريدون الآن؟" تساءل الشيخ "جابر" وهو ينظر إلى رجاله. "هل هم قادمون لإشعال نار الفتنة مجددًا؟"

كان "نور الدين" قد أخبر زينب بأن بعض الشيوخ في قبيلة "الرمال" هم أصدقاء له، وأنهم لا يؤمنون بالحرب. ربما يكون هذا الاجتماع هو الفرصة التي يبحثون عنها.

"يا أبي،" قالت زينب، وقد اتخذت قرارها. "أرى أن هذه فرصةٌ سانحة. ربما يمكننا أن نفهم سبب مجيئهم، وأن نحاول تهدئة الأوضاع قبل أن تتفاقم."

نظر إليها الشيخ "جابر" بدهشة. لم يعتد أن تتدخل ابنته في أمور السياسة والقبائل. "ماذا تقترحين يا ابنتي؟" سأل، وقد بدا عليه بعض التردد.

"أقترح أن نكون منفتحين. أن نستمع إلى ما يقولونه. وأن نُظهر لهم أننا لا نسعى للحرب. ربما يمكننا أن نبحث عن حلولٍ سلمية للخلافات القديمة." قالت زينب، وعيناها تلمعان بذكاء.

تأمل الشيخ "جابر" كلماتها. كان يعلم أن ابنته ليست مجرد فتاةٍ عادية، وأنها تحمل ذكاءً وحكمةً تفوق سنها. لقد لاحظ أنها أصبحت أكثر هدوءًا وتفكيرًا في الآونة الأخيرة، وكأنها قد اكتسبت معرفةً جديدة.

"حسنًا يا ابنتي،" قال الشيخ "جابر" في النهاية. "سوف نستمع إلى ما يقولونه. وسأحاول أن أضع كلماتكِ في اعتباري. ولكن لا تنسي أن هؤلاء القوم قد تكون نواياهم ليست حسنة."

ابتسمت زينب، وقد شعرت ببعض الارتياح. كان هذا هو أول انتصارٍ لها، ولو كان صغيرًا. كان يعني أنها تستطيع أن تؤثر في والدها، وأن تُدخل بعضًا من أفكارها إلى عالم السياسة القبلية.

في اليوم التالي، وصل وفد قبيلة "الرمال". استقبلهم الشيخ "جابر" ورجاله استقبالًا رسميًا، ولكنه لم يخخلُ من بعض التوتر. بدأ كبير الوفد، وهو رجلٌ كبير السن ذو لحيةٍ بيضاء، حديثه بتعابير وجهٍ جامدة.

"نحن هنا يا شيخ جابر،" قال كبير الوفد، "لأننا لم نعد نتحمل ما يحدث. لقد استنزفتنا الصراعات القديمة. نريد أن نضع حدًا لها. ولكننا نرى أن بعض الأطراف في قبيلتكم تسعى إلى إشعال الفتنة، وتُطلق الإشاعات الكاذبة ضدنا."

تحدث كبير الوفد بلغةٍ تحمل بعض التهديد، ولكن "زينب" لاحظت في عينيه شيئًا من الحزن والتعب. بدت كلماته وكأنها تحمل قلقًا حقيقيًا، وليس مجرد غضب.

"نحن هنا أيضًا يا شيخ القبيلة،" رد الشيخ "جابر" بصوتٍ هادئ، "لسنا دعاة حرب. ولكننا لا نقبل الاتهامات الباطلة. إذا كانت هناك أي إشاعات، فهي لا تأتي منا. نحن مستعدون للاستماع إلى أي خلافات، وبحث عن حلولٍ سلمية."

بعد ذلك، وبشكلٍ مفاجئ، تقدم رجلٌ شاب من وفد قبيلة "الرمال"، وكان يبدو عليه بعض الارتباك. "يا شيخ جابر،" قال بصوتٍ متردد، "دعني أتحدث. هناك ما يجب أن يُقال. ليس كل ما يقوله كبيرنا هو الحقيقة الكاملة."

نظر كبير الوفد إلى الشاب بغضب، ولكن الشيخ "جابر" أشار إليه بأن يتكلم.

"لقد اضطررنا للمجيء،" قال الشاب، "ليس لأننا نريد الحرب، بل لأننا خائفون. هناك قوى في قبائلنا، تسعى إلى إشعال الصراع. إنهم يريدون أن يروا دماءً تسيل. ولكننا، نحن الشباب، لا نريد هذا. نحن نريد السلام، ونريد أن نعيش في سلام مع جيراننا."

كانت كلمات الشاب بمثابة صدى لحديث "نور الدين". شعرت زينب بأن الأمل بدأ يتسلل إلى قلبها. إنها ليست وحدها في هذا الصراع. هناك آخرون، من داخل القبائل الأخرى، يسعون إلى السلام.

"اشكرك يا بني على شجاعتك،" قال الشيخ "جابر"، وقد بدا عليه الارتياح. "هذا هو الكلام الذي نود أن نسمعه. إننا نتشارك معكم هذه الرغبة في السلام. دعونا نجد طريقةً لوقف من يسعون إلى إشعال الفتنة."

بدأ الحوار يأخذ منحىً مختلفًا. لم يعد الأمر مجرد تبادل للاتهامات، بل أصبح بحثًا عن حلول. كانت زينب تستمع باهتمام، وقد شعرت بأنها جزءٌ من هذا الحوار. لقد ساهمت، ولو بشكلٍ غير مباشر، في فتح هذا الباب.

في تلك الليلة، عادت زينب إلى خيمتها، وقد شعرت بتعبٍ كبير، ولكن قلبها كان مليئًا بالأمل. لقد أثبتت لها الأحداث أن الحكمة والشجاعة يمكن أن تُحدث فرقًا، وأن صوت السلام، وإن كان خافتًا، يمكن أن يعلو فوق ضجيج الحرب.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%