صوت الحق
خيانة الأمس
بقلم جمال الحق
كانت نسمات الصباح الأولى تحاول أن تتسلل إلى قصر العارف، حاملة معها وعدًا ببدء يوم جديد، لكن الهواء كان مشبعًا برائحة الخيانة والألم. استيقظ العارف على خبر لم يكن يتوقعه أبدًا، خبر مزق قلبه وجعل الدنيا تدور به. فقد أُلقي القبض على ابنه أحمد، وسبب ذلك كان وشاية من أقرب الناس إليه.
جلس العارف على كرسي عرشه، وهو يتأمل الصور المعلقة على الجدران، صور الأجداد الذين قضوا حياتهم دفاعًا عن الحق والعدل. بدا وكأن وجوههم تلومه، تتساءل كيف سمح بهذا أن يحدث. لقد وثق في رجاله، وثق في الجميع، لكنه لم يتوقع أبدًا أن يكون الخنجر مسمومًا، وأن يأتي من حيث لم يتوقع.
"كيف حدث هذا؟" سأل بصوت ضعيف، وهو يلتفت إلى رضوان الذي وقف أمامه، وعيناه غائمتان بالحزن والخجل.
"لقد تسلل أحد الحراس، يا سيدي،" أجاب رضوان بصوت متقطع. "كان يراقب تحركات السيد أحمد منذ فترة. لقد كان يعمل لحساب أحد أعوان السلطان، وقد قدم له معلومات دقيقة عن مكان اختبائه، وعن الموعد الذي كان سيجتمع فيه مع بعض الأنصار في أحد الأزقة الخلفية. لقد كان كمينًا محكمًا، ولم يكن هناك مجال للمقاومة."
"حارس؟" قال العارف، وارتفعت نبرته قليلاً. "أي حارس؟ من هو؟"
تردد رضوان قبل أن يجيب. "إنه... إنه فؤاد، يا سيدي."
انفجر العارف ضاحكًا ضحكة مريرة، ضحكة خالية من أي فرح. "فؤاد؟ فؤاد الذي ربّيته بيدي؟ فؤاد الذي وثقت فيه أكثر من أي شخص آخر؟ هذا لا يمكن أن يكون صحيحًا!"
"إنه الحقيقة، يا سيدي،" قال رضوان بصوت مكسور. "لقد رأيته بعيني، وهو يشير إلى المكان الذي كان السيد أحمد فيه. لقد كان يتعاون مع الجنود. إنها خيانة ما بعدها خيانة."
تنهد العارف بعمق، وهو يفرك جبينه بأصابعه. "لقد كنت غافلاً، غافلاً جدًا. لقد كنت أعتقد أن الولاء هو كلمة مقدسة، وأن الأمانة هي درع لا ينكسر. لكن يبدو أن الجشع والطمع أقوى من كل ذلك. لقد بعت روحه للسلطان، مقابل ماذا؟ مقابل بعض المال؟ أم مقابل وعد بمنصب؟"
"لا نعلم الأسباب الحقيقية، يا سيدي،" قال رضوان. "لكن المؤكد أنه قد خان الأمانة. لقد تم القبض على السيد أحمد، وهو الآن في سجن القلعة. والسلطان... يبدو أنه سعيد جدًا بهذا الانتصار."
"السلطان سعيد؟" قال العارف، وبدأت عيناه تشتعلان بغضب مكبوت. "سيكون سعيدًا لوقت قصير. لقد ارتكب خطأ فادحًا. لقد أخذ مني ابني، ولكن لم يأخذ مني قوتي. لم يأخذ مني إرادتي."
"وماذا سنفعل يا سيدي؟" سأل رضوان بقلق. "السيد أحمد في خطر كبير. السلطان لن يرحمه."
"سأفعل كل ما بوسعي،" قال العارف بحزم، وهو يقف من عرشه. "لقد بنيت هذه الحركة على أساس متين، على أساس من التضحية والوفاء. الخونة موجودون في كل مكان، لكن المخلصين هم من يبنون المستقبل. سأتحدث إلى بعض التجار، وسأتحدث إلى بعض رجال الدين، وسأفعل كل ما بوسعي لتأمين خروج ابني. لقد حان الوقت لأن يعرف السلطان أن صوت الحق لا يمكن إسكاته بهذه السهولة."
"ولكنهم قد يلقون القبض عليك أيضًا يا سيدي،" قال رضوان بخوف.
"الحياة بدون حق ليست حياة،" أجاب العارف، وعيناه تلمعان بإصرار. "لقد عشت عمري كله مدافعًا عن مبادئي، ولن أتخلى عنها الآن. لقد أخذوا ابني، لكنهم لم يأخذوا مني روحي. سأقاتل من أجله، وسأقاتل من أجل كل مظلوم. سأثبت للسلطان أن الثمن الذي دفعه مقابل هذه الخيانة سيكون باهظًا جدًا."
نظر العارف إلى رضوان، وقال بصوت قوي: "اجمع لي ما تبقى من رجالنا. يجب أن نستعد. المعركة لم تنته بعد، بل بدأت للتو. لقد أثبتت الخيانة أننا بحاجة إلى أن نكون أكثر حذرًا، وأكثر تصميمًا. سنعيد لابننا حريته، وسنستمر في طريقنا حتى يعود العدل إلى هذه البلاد. لقد حان وقت المواجهة، ولو كان الثمن حياة."