صوت الحق
همسات في أزقة الأمل
بقلم جمال الحق
كانت الشمس قد بدأت تميل نحو المغيب، تلقي بأشعتها الذهبية على أسطح مدينة القدس العتيقة، فترسم ظلالاً طويلة تتراقص على الحجارة البالية. في أحد الأزقة الضيقة، حيث تتداخل روائح التوابل والبخور مع عبق التراب الرطب، كانت "ليلى" تسير بخطوات سريعة، وقلبها يخفق بعنف كطائر مذعور. كانت ترتدي ملابس بسيطة، لكنها تخفي تحتها عزيمة قوية ورغبة جامحة في معرفة الحقيقة. منذ أن سمعت تلك الهمسات المريبة عن اختفاء "أحمد"، لم تهدأ لها نفس. لم تكن تصدق أن رجلاً كأحمد، بشجاعته ونزاهته، يمكن أن يختفي دون أثر.
كانت وجهتها منزل "الحاج محمود"، الرجل العجوز الذي اشتهر بحكمته ومعرفته بأسرار المدينة القديمة. قيل إن الحاج محمود يملك شبكة واسعة من المخبرين، وأن لا شيء يخفى على عينيه الثاقبتين. طرقت ليلى الباب بخفة، ففتح لها الحاج محمود بنفسه، وعلى وجهه ابتسامة متعبة لكنها دافئة. "أهلاً بك يا ابنتي، تفضلي. كنت أتوقع زيارتك."
جلست ليلى على وسادة مطرزة، وحينما استقرت، بدأت تتحدث بصوت مرتجف قليلاً. "يا حاج محمود، لقد سمعت أخباراً تقلقني. اختفاء أحمد... هل تعلم شيئاً؟"
نظر إليها الحاج محمود بعينين مليئتين بالحزن والتفهم. "آه يا ليلى، إنها أيام عصيبة. اختفاء أحمد ليس مجرد حادث عابر. إنه جزء من مؤامرة أكبر، مؤامرة تسعى لإسكات صوت الحق في هذه المدينة."
ثم بدأ الحاج محمود يسرد لليلى ما يعرفه. كانت هناك جهات قوية، ذوات نفوذ، تسعى لإحكام قبضتها على المدينة، واستغلال مواردها دون وجه حق. وقد وجدوا في أحمد، بعمله الدؤوب في الدفاع عن حقوق الناس، عقبة كؤود. "لقد حاولوا شراء صمته، عرضوا عليه المال والجاه، لكن أحمد رفض. قال لي ذات مرة: 'يا حاج، لا أبيع ضميري ولا أرضى بالظلم، حتى لو كان الثمن حياتي'."
تنهدت ليلى بحرقة، وصارت عيناها تلمعان بدموع حاولت كبتها. "وماذا حدث له؟ أين هو الآن؟"
"لا أحد يعرف على وجه اليقين أين هو يا ليلى. لكن الشكوك تحوم حول قلعة قديمة مهجورة على مشارف المدينة. هناك حيث يختفي كل من لا يريده الظالمون أن يراه أحد."
شعر الحاج محمود بصلابة ليلى المتزايدة. "لكن لا تيأسي. صوت الحق لا يمكن قمعه للأبد. هناك من يحاربون الظلم من الداخل والخارج. وهناك أدلة، أدلة قد تكون مفتاح العودة. لقد ترك أحمد لي شيئاً، شيئاً قد يساعدنا."
أخرج الحاج محمود من درج خشبي قديم صندوقاً صغيراً، وفتحه ليكشف عن بضع رسائل مختومة، وقلادة فضية قديمة. "هذه رسائله، احتفظ بها سراً. وهذه القلادة، إنها تحمل نقشاً غريباً، ربما لها معنى. مفتاح لكل ما هو مفقود."
أخذت ليلى الصندوق بيدين مرتعشتين، وشعرت بثقله في يدها. لم تكن مجرد رسائل وقلادة، بل كانت أمانة، وشعلة أمل في ليل مظلم. "سأفعل كل ما بوسعي يا حاج محمود، من أجل أحمد، ومن أجل هذه المدينة."
غادرت ليلى منزل الحاج محمود، والظلام يزحف على المدينة. لكن في قلبها، كان بصيص نور قد بدأ يتلألأ. كانت تعرف أن الطريق سيكون طويلاً وشاقاً، لكنها لم تعد وحدها. صوت الحق، كما قال الحاج محمود، لا يمكن قمعه. وستكون هي الصوت الذي يحمله، الصوت الذي سيوقظ النائمين ويكشف المستور. كانت تشعر بأنها تقف على أعتاب مرحلة جديدة، مرحلة ستحدد مصيرها ومصير الكثيرين.