الفصل 3 / 24

صوت الحق

ظل من الماضي

بقلم جمال الحق

كانت "ليلى" تقضي ساعات طويلة في البحث، تحفر في ثنايا التاريخ، وتستكشف أزقة القصر المنسية، بحثًا عن أي خيط يقودها إلى كشف لغز "سليمان" و"القلب الآخر" الذي تحدث عنه الحاج محمود. كانت الرسالة المكتوبة بخط نسائي رقيق، والتي وجدتها في الكتاب القديم، هي مفتاحها الأول. بدأت تدرس الخط، وتقارن بينه وبين خطوط أخرى في وثائق القصر، على أمل العثور على تطابق. كانت تبحث عن أي ذكر لاسم، لأي لقب، لأي إشارة قد تكشف عن هوية الكاتبة.

في إحدى الليالي، بينما كانت تتأمل الرسالة تحت ضوء الشمعة الخافت، لاحظت شيئًا لم تنتبه له من قبل. كان هناك حرف واحد، يشبه الرمز "راء" ولكنه مزخرف بطريقة مميزة، يتكرر في بداية بعض الكلمات. كان هذا الحرف غريباً، لم تره في أي مكان آخر. تذكرت "ليلى" أن جدتها ذكرت ذات مرة أن "سليمان" كان له صديقة مقربة، فنانة موهوبة، كانت ترسم له لوحات تصور بطولاته. لكنها لم تذكر اسمها أبداً. هل يمكن أن تكون هذه الرسالة من صديقته الفنانة؟

قررت "ليلى" أن تبحث في سجلات الفنانين الذين عملوا في القصر في زمن "سليمان". بدأت تتفحص قوائم الرسّامين والنحاتين الذين تم تكليفهم بتزيين القصر أو رسم بورتريهات للشخصيات المهمة. مرت على أسماء كثيرة، بعضها مألوف، وبعضها لم تسمع به من قبل. وبعد عناء طويل، وجدت اسمًا لافتًا: "ريحانة". كانت "ريحانة" فنانة تشكيلية معروفة في ذلك العصر، وقد اشتهرت بأسلوبها الفريد ورسمها للوجوه بدقة متناهية. لكن ما أثار دهشة "ليلى" هو أنها وجدت إشارة إلى أن "ريحانة" كانت معروفة أيضاً بكتاباتها الشعرية، وأن بعض أشعارها كانت تُنشر بأسماء مستعارة.

تسللت "ليلى" إلى غرفة قديمة مهملة في جناح النساء، كانت تُستخدم كمخزن للأقمشة القديمة والتحف التالفة. كانت جدتها قد ذكرت أن هذه الغرفة كانت فيما مضى غرفة خاصة لإحدى جواري القصر اللواتي كن يتمتعن بمواهب خاصة. بدأت "ليلى" بفرز الأشياء، تتفحص كل قطعة بعناية. وبين كومة من الأقمشة البالية، وجدت صندوقاً خشبياً صغيراً، مزخرفاً بنقوش زهرية. كان الصندوق مغلقاً، لكن القفل كان قديماً وهشاً، فتمكنت من فتحه بسهولة.

داخل الصندوق، وجدت مجموعة من الرسومات، بعضها بالألوان المائية، وبعضها بالفحم. كانت الرسومات تصور مشاهد من حياة القصر، صوراً لشخصيات نبيلة، وصوراً لطبيعة خلابة. لكن ما شد انتباهها بشكل خاص، هو مجموعة من الرسومات التي كانت تصور رجلاً شاباً ببنية قوية، وملامح حادة، وعينين تحملان بريقاً خاصاً. كانت هذه الرسومات تحمل توقيعاً صغيراً في الزاوية: "ر.ح.". بدأت "ليلى" ترتجف. كانت هذه بالتأكيد رسومات لـ "سليمان".

وبين الرسومات، وجدت "ليلى" دفتر ملاحظات صغير، بغلاف من الجلد الناعم. فتحت الدفتر، فوجدت صفحات مليئة بكتابات بخط يد نسائي جميل، نفس الخط الذي رأته في الرسالة. كانت هذه الملاحظات عبارة عن يوميات، كانت "ريحانة" تدون فيها خواطرها، أحلامها، ومشاعرها. كانت تكتب عن "سليمان" بكلمات مليئة بالإعجاب والحب. وصفت كيف كانت تراقبه من بعيد، كيف كانت تتمنى لو تستطيع البوح بمشاعرها. كانت هناك إشارات إلى لقاءاتهم السرية، إلى الأحاديث التي كانوا يتبادلونها بعيداً عن أعين المتطفلين.

"كان قلبي ينبض له بشدة كلما لمحته،" كتبت "ريحانة" في إحدى الصفحات. "كان يمثل لي كل ما أتمناه في رجل: الشجاعة، النبل، والروح المتوقدة. لكن الظروف كانت أقوى منا. كان عالمه مختلفاً عن عالمي، وكان مصيره محكوماً بأيدي لا ترحم."

شعرت "ليلى" بأنها تقرأ قصة حب ممنوعة، قصة كانت نهايتها مأساوية. كانت "ريحانة" تصف كيف أن "سليمان" كان يواجه تهديدات مستمرة، وكيف أنها كانت تخشى عليه من الأعداء الذين كانوا يحيطون به. كانت تصف كيف أنها حاولت مساعدته بكل الطرق الممكنة، وكيف أنها كانت تشعر بالعجز أمام قوة الظلم.

في صفحة أخرى، وجدت "ليلى" إشارة إلى محاولة اغتيال تعرض لها "سليمان"، وكيف أن "ريحانة" لعبت دوراً حاسماً في إنقاذه. كانت تصف كيف أنها علمت بالمؤامرة، وكيف أنها استطاعت أن تنبهه في اللحظة الأخيرة، مما أتاح له الفرصة للهرب. كانت هذه التفاصيل تضفي على قصة "سليمان" بعداً جديداً، بعداً يجعله أكثر إنسانية، وأكثر قرباً إلى قلب "ليلى". شعرت بأنها تقترب أكثر فأكثر من الحقيقة، وأن "ظل الماضي" بدأ يكشف عن نفسه.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%