الفصل 5 / 24

صوت الحق

همسات في الظلام

بقلم جمال الحق

في تلك الليلة، تسلل الظلام إلى أرجاء قصر العارف، حاملًا معه همسات القلق ووشوشات الخوف. كانت ليالي القاهرة في فصل الربيع تحمل نسائم عليلة، لكنها هذه المرة كانت تحمل معها رياحًا عاتية تهز أركان الأمن والاستقرار. اجتمع أحمد، ابن العارف، مع نفر قليل من رجاله المخلصين في غرفة سرية، بالكاد يضيئها قنديل نحاسي يلقي بظلال متراقصة على وجوههم المتوترة. كانت عينا أحمد، التي ورث فيها صلابة أبيه وذكاء أمه، تلمعان بحذر، وهو يستمع إلى تقارير رجالهم.

"لقد وصل الخبر، يا سيدي،" قال أحدهم، وهو رجل ضخم الجثة ذو ندبة قديمة تشق حاجبه الأيسر، يدعى رضوان. "العسكر قد انتشروا في الأسواق، وهم يستجوبون التجار ويفتشون البضائع. يقولون إنهم يبحثون عن متمردين، لكننا نعلم أن هدفهم الحقيقي هو التضييق على كل من يعارض السلطان الجديد."

أومأ أحمد برأسه ببطء، وصوته كان هادئًا لكنه محملاً بالثقل. "هذا متوقع. لم يمر وقت طويل على خلع السلطان القديم، والسلطان الجديد، بفضل مساعدة هؤلاء العسكر، لا يريد أن يترك أي ثغرة قد تنقض ملكه. لكننا لن نسمح لهم بفرض حكمهم بالحديد والنار. لقد تعاهدنا على مبدأ، وهو مبدأ لا يمكن التخلي عنه."

"ولكن كيف يا سيدي؟" تدخل شاب نحيل، يرتدي زيًا بسيطًا، وعلى وجهه علامات الذكاء والاجتهاد. كان هذا الشاب هو خالد، كاتب العارف الموثوق، والذي كان يتمتع بذاكرة قوية وقدرة على ربط الأحداث. "قوتهم العسكرية تفوق قوتنا بكثير. الجنود في كل زاوية، وهم مدججون بالسلاح. إن المواجهة المباشرة ستكون انتحارًا."

"خالد على حق،" قال رضوان، وهو يضرب بقبضته على الفخذ. "نحن لا نملك سوى القليل من الرجال، وهم مخلصون، لكنهم ليسوا مدربين على القتال النظامي. كيف سنواجه جيشًا بأكمله؟"

تنهد أحمد، وتحدث بنبرة فيها مزيج من الحكمة والتحدي. "المواجهة المباشرة ليست هي الحل الوحيد. القوة العسكرية ليست كل شيء. هناك قوة أخرى، قوة الكلمة، قوة الحقيقة، وقوة الإلهام. السلطان الجديد، والذين معه، يعتمدون على الخوف. إذا زرعنا الأمل، وإذا ذكرنا الناس بحقوقهم، وإذا جعلناهم يرون الظلم بوضوح، فإن الخوف لن يدوم. الخوف يتلاشى أمام الشجاعة، والشجاعة تولد من المعرفة."

"ولكن كيف سنصل إلى الناس، يا سيدي؟" سأل رضوان، وهو يميل رأسه فضولًا. "الرقابة مشددة. أي منشور، أي كلمة، يمكن أن تكون سببًا في الاعتقال."

"هذا هو التحدي،" أجاب أحمد، وعيناه تلمعان بشعلة تصميم. "سنستخدم الوسائل التي لا يتوقعونها. سنستخدم الهمسات. الهمسات تنتشر كالظلال، تصل إلى الآذان دون أن يراها أحد. سنكتب، وسنوزع ما نكتبه بحذر شديد. سنستخدم قصصًا، سنذكرهم بماضينا المجيد، وبما كان عليه العدل في عهد الأجداد. سنزرع البذور، وننتظر وقت الحصاد."

"وهل لديك خطة محددة، يا سيدي؟" سأل خالد، وقد بدأ الحماس يظهر على وجهه.

"لدينا بعض الأفكار،" قال أحمد، وهو يفتح حقيبة جلدية قديمة. "هذه الورقات تحتوي على بعض الأشعار والقصص القصيرة التي كتبتها، أو كتبها بعض الأصدقاء. بعضها يتحدث عن البطولة، وبعضها عن الظلم، وبعضها الآخر عن الأمل. سيقوم رضوان ورجاله بتوزيعها في أماكن متفرقة، في الأسواق، في أماكن تجمع العمال، وحتى في الأماكن التي يرتادها الأثرياء، لنعرف مدى وصول رسالتنا. سيتم ذلك تحت جنح الظلام، وبشكل لا يثير الشبهات. كل ورقة ستكون كبذرة، نرميها في أرض خصبة، نرجو أن تنمو."

"وهل نفكر في طرق أخرى؟" سأل رضوان. "ربما يمكننا التحدث إلى بعض التجار الأقوياء، الذين لديهم نفوذ، لعلهم يتعاطفون معنا؟"

"لقد حاولت،" أجاب أحمد بحزن. "الكثير منهم يخشى على تجارته، وعلى حياته. الخوف أصبح سيد الموقف. لكن هذا لا يعني أننا سنستسلم. سنعمل في الخفاء، وسنستخدم كل ما لدينا من حكمة وذكاء. تذكروا، قوتنا ليست في السيوف، بل في الفكر وفي الإيمان بالحق. السلطان الجديد يريد أن يسكت صوت الحق، لكن صوت الحق له ألف طريق وطريق ليصل إلى قلوب الناس."

اجتمع الحاضرون حول أحمد، وقد ملأت قلوبهم عزيمة جديدة. لقد أدركوا أن المعركة لن تكون سهلة، وأن الطريق طويل ومليء بالمخاطر، لكنهم أيضًا أدركوا أنهم ليسوا وحدهم في هذا الكفاح، وأن لديهم قائدًا لا يخشى الظلام، ولا يستسلم لليأس. لقد انطلقت شرارة المقاومة، وإن كانت خافتة في البداية، فإنها كانت شرارة تحمل وعدًا بمستقبل أفضل، مستقبل يعلو فيه صوت الحق، وينتصر فيه العدل.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%