صوت الحق
الفصل 9 — ظل الماضي يلوح مجدداً
بقلم جمال الحق
الفصل 9 — ظل الماضي يلوح مجدداً
بينما كانت الأحداث تتسارع في الظاهر، كان أحمد يعيش صراعاً داخلياً عميقاً. نجاحاته كـ"الصوت" كانت تزيد من ثقته بنفسه، لكنها أيضاً كانت تزيد من شبح الماضي الذي يطارده. صورة والده المختفي، وصوت الرصاص الذي سمعه في تلك الليلة المشؤومة، كانت تعود لتطارده بين الحين والآخر، خاصة عندما يواجه مواقف تشبه ما حدث لوالده.
في أحد الأيام، بينما كان يتصفح أرشيفاً قديماً لوالده، بحثاً عن أي خيط قد يقوده إلى معرفة سبب اختفائه، عثر على دفتر ملاحظات صغير، مخبأ بعناية تحت أرضية الغرفة. لم يكن دفتر ملاحظات عادي، بل كان مليئاً بالرسومات الهندسية المعقدة، والرموز الغريبة، وشيء بدا وكأنه وصف لقوة غير طبيعية.
أدرك أحمد أن والده لم يكن مجرد مهندس عادي، بل كان يبدو أنه كان يبحث في أمور خارقة للطبيعة، ربما كان على وشك اكتشاف شيء خطير. كانت بعض الرسومات تشبه إلى حد كبير تصميم الأحجار المضيئة التي منحته قدراته.
"هل كان والدي يعلم؟" تساءل أحمد بصوت مرتجف. "هل كان يعرف عن هذه القدرات؟"
بدأ أحمد يحلل الرسومات، ويدرس الرموز. كلما تعمق أكثر، كلما شعر بأن هناك سراً عائلياً عظيماً يكمن في هذا الدفتر. كانت هناك إشارات إلى "حراس الزمن" وإلى "مصدر القوة".
في نفس الوقت، بدأت الجهة المجهولة التي تتواصل معه ترسل له معلومات تتعلق بماضيه. لم تكن معلومات مباشرة، بل تلميحات، أسئلة غامضة، ورسائل تحمل طابعاً شخصياً أكثر.
"بعض الأقدار لا يمكن تجنبها، يا 'الصوت'." جاء في إحدى الرسائل. "بعض الأبواب يجب أن تُفتح، حتى لو كانت تحمل ظلال الماضي."
كان أحمد يشعر بأن هذه الرسائل موجهة إليه مباشرة، وأن الجهة المجهولة تعرف الكثير عنه، ربما تعرف عن والده.
قرر أحمد أن يأخذ زمام المبادرة. في إحدى الليالي، وبدلاً من التركيز على شبكة "الحاج رضوان"، توجه إلى الأماكن التي كانت مذكورة في دفتر والده. كانت تلك الأماكن مهجورة، تبدو وكأنها تحمل أسراراً قديمة.
وجد نفسه في منطقة صناعية قديمة، مهملة، لا يعمل بها أحد. بين الأنقاض، عثر على هيكل مبنى غريب، كان يبدو كأنه مختبر قديم. دخل بحذر. كان المكان مليئاً بالمعدات الصدئة، والأنابيب المتكسرة، وزجاجات مكسورة.
في وسط المختبر، وجد طاولة عليها جهاز يبدو أنه قديم جداً، لكنه لا يزال يحتوي على بعض الشرارات الخافتة للطاقة. حول الجهاز، كانت هناك رسومات تشبه تلك الموجودة في دفتر والده.
بينما كان أحمد يتفحص المكان، شعر بحركة في الظل. لم تكن حركة لرجال عصابات، بل كانت حركة أسرع، أكثر رشاقة، وأكثر خطورة.
"من أنت؟" سأل أحمد، مستعداً لاستخدام قدراته.
ظهر شخص من الظل. لم يكن ملثماً، لكن وجهه كان غريباً، يحمل نظرة لم يرها أحمد من قبل. كان يرتدي ملابس داكنة، تبدو كأنها جزء من هذا المكان المهجور.
"أنا لست عدوك، يا 'الصوت'." قال الشخص بصوت هادئ، ولكنه يحمل قوة خفية. "أنا ممن يعرفون ما كنت تبحث عنه."
"ومن أنت؟ وكيف تعرف عني؟" سأل أحمد، متشككاً.
"أنا أحد حراس هذا المكان. المكان الذي كان والدك يرتاده. لقد كان يبحث عن الحقيقة، تماماً مثلك."
"هل تعرف ما حدث له؟" سأل أحمد، وقلبه يخفق بقوة.
"لقد اقترب كثيراً من الحقيقة. كان على وشك كشف سر 'مصدر القوة'. لكن هناك من لا يريد للحقيقة أن تظهر. هناك من يخشى أن تعود القوة إلى أصحابها الشرعيين."
"ومن هم هؤلاء؟" سأل أحمد.
"هم من بنوا إمبراطورياتهم على الظلام. هم من يريدون أن يظل العالم غافلاً. لقد كانوا يراقبون والدك، وعندما شعروا بأنه أصبح يشكل خطراً، قاموا بإخفائه. أو ربما... أسوأ من ذلك."
شعر أحمد بصدمة. والده لم يختفِ صدفة، بل تم استهدافه.
"والآن، أنت تسير على نفس الطريق." قال الحارس. "لذا، يجب أن أكون مستعداً. قوتك، التي استمدتها من الأحجار، هي جزء من إرث أعمق. يجب أن تتعلم كيف تسيطر عليها بالكامل، وكيف تستخدمها لحماية نفسك وحماية الآخرين."
"ولماذا تخبرني هذا؟" سأل أحمد.
"لأن الوقت قد حان. الظلام الذي كان يكمن في الظل بدأ يتحرك. 'الحاج رضوان' كان مجرد بداية. هناك قوى أكبر تستعد للظهور. وأنتم، يا من تحملون شعلة الحق، يجب أن تكونوا مستعدين."
شعر أحمد بأن عالمه ينهار ويتشكل من جديد في نفس الوقت. ماضيه لم يعد مجرد ذكرى مؤلمة، بل أصبح جزءاً حيوياً من مستقبله. لم يعد "الصوت" مجرد بطل خارق يحارب الجريمة، بل أصبح جزءاً من صراع أقدم وأكبر، صراع على استعادة قوة قديمة، وعلى كشف حقيقة غائبة.
شعر بأن شبح والده لم يعد مجرد شبح، بل أصبح بوصلة تقوده نحو الحقيقة. وأن هذه الرحلة، مهما كانت مؤلمة، يجب أن تكتمل.