همسات الليل الأبدي

الفصل 12 — صدى الأنين في الجدران

بقلم سامر الخفي

الفصل 12 — صدى الأنين في الجدران

عاد أحمد إلى غرفة المعيشة، ويداه تحملان كومةً من الرسائل القديمة. كانت عيناه تلمعان بترقب، ووجهه يكشف عن خليطٍ من الحيرة والفضول. "لقد وجدت هذه الرسائل في الغرفة المغلقة، يا أبي. تبدو قديمة جداً، ومختومة بنفس الختم الموجود على الكتاب."

مد الأب يده ليأخذ إحدى الرسائل، وهو ينظر إلى المفتاح النحاسي الذي أمسكه. "هذا المفتاح... لا بد أن يكون له مكانٌ ما. ربما في إحدى الغرف التي لم نفتحها بعد."

بدأت أم أحمد وليلى في تفحص الرسائل. كانت الخطوط باللغة العربية القديمة، وصعبة الفهم. بعد جهدٍ كبيرٍ، استطاعت أم أحمد قراءة بضع كلماتٍ متفرقة. "حزن... فقدان... وعود... والظلام..."

"هذه الكلمات... تبدو وكأنها تعبر عن قصةٍ مأساوية." قالت أم أحمد، وقد استقر القلق في عينيها. "لمن كتبت هذه الرسائل؟ ومن كتبها؟"

كانت ليلى، رغم صغر سنها، تشعر بوطأة الحزن التي تنبعث من هذه الأوراق. كانت تعود إلى ذكرياتها، وتتذكر كيف أن هذا البيت كان يوماً ما مكاناً مليئاً بالضحك والسعادة، قبل أن يأتي ذلك الظلام الذي لا تعرف مصدره.

قرر الأب أن يبدأ بفك شفرة الكتاب القديم، مستعيناً بالرسائل. كان يعتقد أن هناك رابطاً قوياً بينهما. بينما كان منهمكاً في دراسة الرموز، سمع صوتاً خافتاً قادماً من الخارج، كأنه بكاء طفل.

"هل سمعتم ذلك؟" سأل الأب، وقد رفع رأسه عن الكتاب.

أصغوا جميعاً. بالفعل، كان هناك صوتٌ حزينٌ، كأنه أنينٌ يتسلل من أعماق الأرض. تزايد الصوت تدريجياً، حتى أصبح واضحاً ومؤلماً.

"إنه قادم من الحديقة!" قالت أم أحمد، وقد التصقت بجدار الغرفة، تبحث عن أمانٍ لم يعد موجوداً.

"يجب أن نتحقق من الأمر، لكن بحذر شديد." قال أحمد، وهو يلتقط عصا خشبيةً كانت موضوعةً بجوار المدفأة.

خرجوا جميعاً إلى الحديقة. كان الظلام قد أحاط بكل شيء، ولم تكن هناك سوى إضاءة خافتة من القمر الذي بدا وكأنه يخفي وجهه خلف سحابةٍ رمادية. كانت أصوات الحشرات الليلية المعتادة غائبة، وكان هناك صمتٌ مخيفٌ، يقطعه فقط صوت الأنين المستمر.

اتبعوا الصوت، الذي بدا وكأنه يأتي من بئرٍ قديمةٍ مهجورةٍ في زاوية الحديقة، بئرٌ كانوا قد اعتادوا على رؤيتها، لكنهم لم يقتربوا منها أبداً، لأنها كانت مغطاةً بحجارةٍ ثقيلةٍ، وكانوا يشعرون بشيءٍ غريبٍ يحيط بها.

عندما وصلوا إلى البئر، ازداد صوت الأنين قوةً، وأصبح وكأنه صدىً للألم والفقد. كان الأنين يتداخل مع همساتٍ خفيفةٍ، لم يستطعوا فهم كلماتها، لكنهم شعروا بمدى حزنها.

"يا إلهي..." تمتمت أم أحمد، وقد ارتعدت فرائصها. "لا بد أن هناك شيئاً ما في هذه البئر."

نظر الأب إلى الحجارة التي تغطي فتحة البئر. "هذه الحجارة... تبدو وكأنها وُضعت هنا عمداً لإخفاء شيءٍ ما."

"علينا أن نزيحها." قال أحمد بعزم. "لا يمكننا ترك هذا الأنين يستمر."

بدأ الأب وأحمد في محاولة إزاحة الحجارة. كانت ثقيلةً جداً، وكأنها جزءٌ من الأرض نفسها. بينما كانوا يبذلون جهداً كبيراً، بدأت الهمسات تزداد قوةً، وكأنها تحذرهم من الاقتراب. كانت هناك رياحٌ قويةٌ بدأت تهب، تثير الغبار والأوراق المتساقطة، وتجعل رؤيتهم صعبة.

"أشعر وكأن أحدهم لا يريد منا أن نكشف ما في الداخل." قالت ليلى بصوتٍ خافتٍ، وهي متشبثةٌ بوالدتها.

فجأة، وبينما كانوا يزيحون حجراً كبيراً، سقطت منه قطعةٌ قماشٍ قديمة. كانت قطعةً من ثوبٍ طفلٍ، بالكاد تستطيع تمييز لونها الأصلي من شدة القدم. وبمجرد أن لمست الأرض، خفت صوت الأنين قليلاً.

"هذا... هذا ثوب طفل." قالت أم أحمد، وقد انهمرت الدموع من عينيها. "لا بد أن هناك روح طفلٍ تعاني هنا."

تذكر الأب إحدى الرسائل التي قرأتها أم أحمد. "وعود... فقدان... ربما كانت هذه البئر مكاناً لدفن طفلٍ، أو... شيءٍ أسوأ."

أصبح الجو أثقل، والبرودة أشد. شعروا بأن طاقاتٍ غريبةً تحيط بهم. لم تكن مجرد رياح، بل كانت أشبه بأنفاسٍ باردةٍ تتنفس عليهم.

"علينا أن نتوقف هنا الليلة." قال الأب، وقد استشعر خطراً محدقاً. "لقد كشفنا ما يكفي. علينا التفكير جيداً فيما سنفعله غداً."

عادوا إلى داخل المنزل، وقد تركتهم هذه التجربة في حالةٍ من الذهول والرعب. كانت الرسائل والكتاب القديم والمفتاح والبئر، كلها تشير إلى قصةٍ قديمةٍ ومؤلمةٍ، قصةٌ ترفض أن تدفن.

في تلك الليلة، لم ينم أحدٌ منهم. كانوا جميعاً يستمعون إلى همسات الليل الأبدي، التي بدت وكأنها تحمل قصصاً عن أحزانٍ عميقةٍ، ووعودٍ لم تُنفذ، وأرواحٍ تائهةٍ تبحث عن السلام. كانت عينا أحمد تلاحق الظلال المتحركة في الغرفة، وكانت ليلى تحلم بأصوات بكاءٍ خافتة. أما الوالدان، فكانا يصلّيان، داعين الله أن يحميهم من هذا المجهول الذي بدأ يتكشف أمامهم.

كان الخوف يملأ المكان، لكن في أعماقهم، كان هناك أيضاً شعورٌ بالواجب، شعورٌ بأنهم الوحيدون القادرون على كشف هذه الحقيقة، وإراحة هذه الأرواح المعذبة، مهما كان الثمن.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%