همسات الليل الأبدي

الفصل 9 — ظلال الماضي المتحركة

بقلم سامر الخفي

الفصل 9 — ظلال الماضي المتحركة

في صباح اليوم التالي، كان القصر يبدو وكأنه يئن تحت وطأة شعورٍ ثقيل. الهواء كان ساكناً، لا تتحرك فيه ذرة غبار، وكأن حتى الرياح قد خافت أن تنفس. جلست ليلى على طرف سريرها، عيناها زائغتان، ويدها لا تزال تشعر ببرودة الجوهرة السوداء التي تخفيها في جيبها.

لم تستطع النوم طوال الليل. كانت الأفكار تتصارع في رأسها: الغرفة المغلقة، المذكرات، الصندوق الأسود، والتعويذة. كل هذا بدا وكأنه حلمٌ مرعب، لكنها كانت تعرف أنه حقيقة. لقد شعرت بذلك الحضور البارد، سمعت صوت الرجل الغامض. لقد فعلت شيئاً.

نزلت إلى غرفة الطعام، حيث كان جدها ينتظرها. كانت ملامحه تحمل قلقاً أعمق من ذي قبل.

"صباح الخير يا جدي." قالت بصوتٍ متعب.

"صباح النور، يا بنيتي. كيف حالك؟" سأله، وعيناه تتفحصان وجهها.

"أنا... بخير." أجابت، وهي تحاول أن تبدو طبيعية. "لقد وجدت الغرفة المغلقة."

تغيرت ملامح الحاج محمود. ظهر في عينيه مزيجٌ من الخوف والأمل. "حقاً؟ وماذا وجدتِ بداخلها؟"

"وجدت صندوق جدتي. قرأت مذكراتها."

"وماذا قالت؟"

"قالت إن هناك قوةً شريرةً تسكن الوادي، وإن هناك من كان يحاول فتح بوابةٍ لعالمٍ آخر. وإنها كانت تحاول إيقاف ذلك."

"وماذا عن الصندوق الأسود؟" سأله الحاج محمود، وهو ينظر إلى يديها.

شعرت ليلى بالذنب. "لم أفتحه يا جدي. خفت."

"حسناً. كان هذا قراراً حكيماً. ربما لم يكن عليكِ الدخول إلى تلك الغرفة أصلاً."

"لكنني شعرت بأن عليّ ذلك. والشخص الذي قابلته في الليل... تحدث إليّ. قال إنني استدعيت شيئاً."

اتسعت عينا الحاج محمود. "استدعيتِ شيئاً؟ ماذا تقصدين؟"

لم تستطع ليلى أن تخبره بكل شيء. لم تستطع أن تخبره عن الجوهرة، عن التعويذة. كان هذا كثيراً جداً.

"لم أفهم تماماً ما قاله. لكنه كان يحذرني. قال إنني فتحت الباب."

شعر الحاج محمود بأن الأمر أكبر مما كان يتصور. "علينا أن نكون حذرين جداً يا ليلى. إذا كان هناك شيءٌ قد استدعي، فعلينا أن نجد طريقةً لإعادته."

"لكن كيف؟"

"لا أعرف. لم يواجه أحدٌ مثل هذا من قبل. لكن جدتكِ... ربما تركت لنا دليلاً."

"هل تعني شيئاً آخر في مذكراتها؟"

"ربما. أو ربما هناك شيءٌ آخر في الغرفة. شيءٌ لم تنتبهي إليه."

قرر الحاج محمود وليلى العودة إلى الغرفة المغلقة. هذه المرة، لم يكن الخوف هو المسيطر، بل كان الحذر والإصرار. عندما دخلا الغرفة، شعرت ليلى بنفس البرودة الخفية، لكنها لم تعد تشعر بأنها وحدها.

بدأ الحاج محمود يتفحص الغرفة بعناية، وهو يمسك ببعض الأدوات القديمة. نظر إلى السرير، والجدران، ثم وصل إلى الصندوق الخشبي.

"هنا... هناك شيءٌ هنا." قال الحاج محمود، وهو يشير إلى جزءٍ من أرضية الغرفة، يبدو وكأنه مغطىٌ بطبقةٍ من الغبار السميك.

بدآ بإزالة الغبار. وتحته، وجدا نقوشاً غريبة، تشبه تلك التي رأتها على الصندوق الأسود. كانت هذه النقوش تشكل دائرةً كبيرة، وفي وسطها، رمزٌ آخر، يبدو وكأنه عينٌ مفتوحة.

"هذه..." قال الحاج محمود بصوتٍ متهيج، "هذه دائرةٌ واقية. لقد حاول جدتي أن تحمي نفسها من الشر. لكن يبدو أن الشر كان أقوى."

"وماذا عن الصندوق الأسود؟" سألت ليلى، وهي تشعر بأنها تقترب من حل.

"لا أعرف. لم أرَ شيئاً كهذا من قبل."

نظرت ليلى إلى الصندوق الأسود، الذي كانت قد أعادته إلى مكانه. ثم نظرت إلى القلادة التي ترتديها. شعرت بأن هناك ارتباطاً بينها وبين الصندوق.

"ربما..." قالت ليلى، وهي تخرج الجوهرة السوداء من جيبها. "ربما هذا هو المفتاح."

مدت الجوهرة نحو النقوش على الأرض. وفجأةً، بدأت النقوش تضيء بضوءٍ خافت، وكأنها تستجيب للجوهرة.

"ما هذا؟" سأل الحاج محمود، وهو ينظر بذهول.

"لا أعرف. لكنني أعتقد أن هذا هو ما استدعيته. وأعتقد أن هذا ما يجب أن يعيده."

"عليكِ أن تكوني حذرةً جداً يا ليلى." قال الحاج محمود، وهو يضع يده على كتفها. "إذا كان هذا سيجلب الشر، فلا تدعي الخوف يسيطر عليكِ."

أخذت ليلى نفساً عميقاً، وأمسكت بالجوهرة السوداء بقوة. ثم، بدأت تردد الكلمات التي قرأتها على الورقة. لم تكن تفهم كل كلمة، لكنها شعرت بأنها تفهم المعنى. كانت الكلمات تحمل قوةً غريبة، قادرةً على خلق وتدمير.

مع كل كلمةٍ ترددها، كانت النقوش على الأرض تزداد إضاءةً. بدأت الغرفة تهتز، وتشعر بأن الهواء يصبح أثقل.

"حاولي أن تركيزي يا ليلى." قال الحاج محمود بصوتٍ قوي، وهو يقف بجوارها، كأنه يحميها. "ركزي على ما تريدين. ركزي على إعادته."

نظرت ليلى إلى النقوش، وأغمضت عينيها، وتخيلت الشر الذي استدعته، وعادت إلى مكانه. تخيلت العودة، والفراغ الذي جاء منه.

وفجأةً، مع صوتٍ مكتومٍ أشبه بالصرخة، انطفأت النقوش. اختفت الجوهرة السوداء من يدها، وكأنها ذابت في الهواء.

عادت الغرفة إلى سكونها القديم. لكن الشعور بالوجود البارد قد اختفى.

"هل... هل انتهى؟" سألت ليلى، وهي تفتح عينيها.

"لا أعرف يا بنيتي." قال الحاج محمود، وهو يمسح جبينه. "لكنني أشعر بأن شيئاً ما قد تغير."

نظرت ليلى حولها. بدا كل شيءٍ كما كان، لكنها شعرت بأن الهواء أصبح أنقى.

"ربما... ربما نجحت." همست.

"الأمر لم ينتهِ بعد." قال الحاج محمود. "الشر لا يختفي بهذه السهولة. علينا أن نبقى متيقظين."

خرجا من الغرفة المغلقة، والباب يعود ليغلق ببطءٍ، كأنه يعود إلى سباته. شعرت ليلى بالإرهاق الشديد، لكنها شعرت أيضاً بشيءٍ من الراحة. لقد واجهت خوفها، وفعلت ما يجب عليها فعله.

لكنها كانت تعلم أن هذه ليست النهاية. كانت تعلم أن رحلتها قد بدأت للتو. وأن هناك المزيد من الأسرار التي تنتظر أن تُكشف في هذا الوادي المظلم.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%