بيت الأشباح القديم
الفصل 22 — ظلال الماضي في الحديقة المهجورة
بقلم ظافر الغيب
الفصل 22 — ظلال الماضي في الحديقة المهجورة
تسللت خيوط الشمس الذهبية الأولى عبر نوافذ بيت الأشباح القديم، محاولةً بعث الدفء في أركانه الباردة. لكن الدفء الحقيقي لم يكن في أشعة الشمس، بل في القرار الذي اتخذته سارة. بعد اكتشافها لليوميات والصورة في القبو، شعرت بشغفٍ متجددٍ لكشف الحقيقة. لم تعد مجرد زائرةٍ لهذا المكان، بل أصبحت باحثةً عن تاريخٍ عائليٍّ ضائع.
كانت تتذكر دائمًا قصص جدتها عن الحديقة الخلفية للمنزل، تلك الحديقة التي كانت في يومٍ من الأيام جنةً خضراء، تزينها ورودٌ حمراء وأشجارٌ باسقة، لكنها الآن أصبحت أشبه بغابةٍ برية، الأشواك والنباتات المتسلقة قد غطت كل شيء، مخفيةً معالمها القديمة تحت ستارٍ كثيفٍ من الإهمال.
"الحديقة هي المكان الذي تبدأ فيه أغلب القصص الجميلة،" قالت سارة لنفسها، وهي تستعد للخروج. "وربما تكون هي المكان الذي تنتهي فيه بعض القصص الأليمة."
فتحت باب الفناء الخلفي، الذي كان يصدر صريرًا مألوفًا كلما فُتح. استقبلتها رائحة الأرض الرطبة، ممزوجةً برائحة الأعشاب البرية. كان الهواء أكثر انتعاشًا هنا، لكنه يحمل أيضًا شيئًا من الغموض.
بدأت سارة في شق طريقها بين الأشواك والنباتات المتشابكة، مستعينةً بمقصّ الحديقة الذي وجدته في المخزن. كانت كل خطوة تشبه اكتشافًا جديدًا. رأت بقايا سياجٍ حديديٍّ صدئ، أساساتٍ لحوضٍ قديمٍ للزهور، وبعض الأحجار المرصوفة التي كانت تشكل يومًا دربًا.
كانت تتخيل كيف كانت هذه الحديقة في الماضي، كيف كانت تضحك فيها جدتها وهي طفلة، وكيف كانت تجلس مع والديها في هذا المكان. لكن تخيلاتها سرعان ما اصطدمت بالواقع القاسي للإهمال.
بينما كانت تحاول إزاحة بعض الشجيرات الكثيفة، لفت انتباهها شيءٌ لامعٌ مدفونٌ في الأرض. انحنت لتكتشف أنه قفلٌ نحاسيٌّ قديم، يبدو أنه كان يؤمن شيئًا ما. بجواره، وجدت حجرًا كبيرًا، يبدو أنه كان مغطىً بالتراب.
"هذا غريب،" همست سارة، وهي تحاول تحريك الحجر. كان ثقيلاً، لكنها استجمعت كل قوتها. بمساعدة عربة حديقة قديمة، استطاعت أن تزحزح الحجر قليلاً، لتكشف عن فتحةٍ صغيرةٍ في الأرض، تشبه مدخل بئرٍ قديم، ولكنه ليس ببئر.
كانت الفتحة مغطاةً بلوحٍ خشبيٍّ قديم. بحذر، رفعت اللوح، لتجد أسفله صندوقًا خشبيًا آخر، يشبه الصندوق الذي وجدته في القبو، لكنه أصغر حجمًا. بدا الصندوق محكم الإغلاق، وعليه نفس النقوش الغريبة.
"لا يمكن أن يكون هذا مجرد صدفة!" قالت سارة، ويداها ترتجفان من الإثارة.
أحضرت الصندوق إلى الداخل، إلى نور الشمس. كانت النقوش أكثر وضوحًا الآن. تذكرت بعض الرموز التي رأتها في يوميات "ليلى". أمسكت بالصندوق، وشعرت به كما لو أنه قطعةٌ من ماضيها.
كان المفتاح الأصلي مفقودًا، لكنها تذكرت أن جدتها كانت تحتفظ بمجموعةٍ من المفاتيح القديمة في درجٍ في غرفة المعيشة. ذهبت مسرعةً، واختارت مفتاحًا يبدو أن حجمه وشكله يتطابقان. بعد عدة محاولات، استطاعت فتح الصندوق.
كان بداخله محفظةٌ جلديةٌ قديمة، وبضع رسائلٍ أخرى، وقطعة قماشٍ صغيرة مطرزة. فتحت المحفظة، لتجد فيها خاتمًا ذهبيًا بسيطًا، مكتوبًا عليه حرفان: "ل. أ".
"لـ... ليلى؟" تساءلت سارة بصوتٍ خافت. "ومن هو 'أ'؟"
فتحت الرسائل. كانت بخطٍ مختلفٍ عن خط "ليلى"، وأكثر حداثةً. بدأت في القراءة. كانت الرسائل متبادلة بين "ليلى" وبين شخصٍ يدعى "أحمد". كانت الرسائل مليئةً بالحب والشوق، وبآمالٍ كبيرةٍ بمستقبلٍ مشترك.
"كانت تحبه حقًا،" قالت سارة، وعيناها تلمعان. "لكنه لم يكن الشخص الذي ظننت."
فهمت سارة أن "أحمد" هو الشخص الذي أحبته "ليلى"، وأن "أ" ربما كان هو الحبيب. لكن القلق تسلل إلى قلبها عندما قرأت في إحدى الرسائل كلماتٍ عن "صعوبة إقناع العائلة"، وعن "ضغوطٍ متزايدة".
ثم وجدت رسالةً أخيرة، مكتوبةً بخطٍ مرتجف، ولكنها ليست بخط "ليلى". كانت من "أحمد". كانت الرسالة قصيرةً ومفجعة.
"ليلى حبيبتي، لا أستطيع التحمل أكثر. القرارات قد اتخذت. أرجوكِ، حاولي أن تتذكري وعدنا، وأن تكوني قوية. لا أملك خيارًا آخر. وداعًا. أحمد."
"ماذا يعني هذا؟" تساءلت سارة، وقد شعرت ببرودةٍ تسري في عروقها. "أي قرارات؟ أي وعد؟"
أمسكت بالقطعة القماشية المطرزة. كانت تحمل نفس الحرفين "ل. أ"، وبجانبهما زهرةٌ صغيرة. شعرت بأنها تحمل شيئًا ذا قيمةٍ عاطفيةٍ كبيرة.
"هل دفنت هذه الأشياء هنا لحمايتها؟" تساءلت. "أم أنها كانت جزءًا من طقسٍ ما؟"
تذكرت سارة قصة جدتها عن "كنوزٍ مدفونةٍ" في الحديقة، كانت تعتقد أنها مجرد أساطير. الآن، أدركت أن جدتها كانت تخفي شيئًا، ربما لم تكن تعرف حقيقته بالكامل.
جلست سارة على الأرض، وفكرها مشغولٌ بالأسئلة. من كان "أحمد"؟ ولماذا اضطر لترك "ليلى"؟ وماذا حدث لهما؟ يبدو أن الحديقة المهجورة لم تكن مجرد بقايا ماضٍ جميل، بل كانت شاهدةً على قصة حبٍّ انتهت بنهايةٍ مأساوية.
شعرت بأنها قد اكتشفت جزءًا هامًا من اللغز، لكن الألغاز الأخرى بدأت تتشعب وتتشابك. كل إجابةٍ كانت تقودها إلى سؤالٍ جديد. نظرت إلى المنزل، إلى نوافذه الصامتة، وكأنها تخبئ في طياتها المزيد من الأسرار، تنتظر من يكشفها.