بيت الأشباح القديم
الفصل 25 — البحث عن دفتر الرسم والأثر الأخير
بقلم ظافر الغيب
الفصل 25 — البحث عن دفتر الرسم والأثر الأخير
كانت كلمات جدتها عن دفتر رسم "ليلى" بمثابة شرارةٍ أضاءت بصيص أملٍ في ذهن سارة. إذا كان هناك دفترٌ رسم، فربما يكون هذا هو "القلب المكسور" الذي أشارت إليه الرسالة، أو "الأمانة" التي تحدثت عنها "ليلى". ربما يكون هذا الدفتر هو آخر ما تركته "ليلى" من أثرٍ، يحمل في طياته قصتها الكاملة.
قررت سارة أن تبدأ بحثها في الغرفة التي كانت تخص "ليلى". كانت متأكدةً أن هذا هو المكان الأنسب للبحث. عادت إلى الغرفة الصغيرة في نهاية الرواق. كانت الأجواء فيها لا تزال تحمل شيئًا من الغموض، لكن الآن، بدأت ترى في أركانها بقايا حياةٍ، ذكرياتٍ لصاحبتها.
بدأت سارة تبحث في الخزانة الصغيرة. كانت مليئةً بملابسٍ قديمة، وبعض الكتب المهترئة. لم تجد شيئًا ذا بال. ثم انتقلت إلى السرير الخشبي القديم. تحته، وجدت بعض الصناديق الخشبية المتربة. فتحتها بحذر. كانت تحتوي على بعض الرسائل القديمة، وصورٍ عائليةٍ بالأسود والأبيض.
بينما كانت تتفحص الصور، وقع بصرها على صورةٍ كانت مختلفةً عن البقية. كانت صورةً لـ"ليلى" وهي شابة، تحمل في يدها دفترًا صغيرًا، وتنظر إليه بابتسامةٍ خجولة. كانت تلك الابتسامة مليئةً بالأمل والحياة.
"هذا هو دفتر الرسم!" همست سارة، وقد لمعت عيناها.
لكن لم يكن الدفتر موجودًا في الصناديق. أين يمكن أن يكون؟ هل أخفته "ليلى" في مكانٍ آخر؟ أم أن "نور" قد أخذته؟
واصلت سارة بحثها في الغرفة. قلبت كل شيء، وتحت كل شيء. لم تجد شيئًا. شعرت بخيبة أملٍ تتسلل إلى قلبها. هل انتهى البحث هنا؟ هل ستظل الحقيقة الكاملة لقصة "ليلى" مدفونةً؟
خرجت من الغرفة، وقلبها مثقل. نظرت حولها في الرواق، وكأنها تبحث عن إشارة. ثم تذكرت شيئًا. جدتها كانت قد ذكرت أن "ليلى" كانت تحب الجلوس في الشرفة المطلة على الحديقة.
ذهبت سارة إلى الشرفة. كانت شرفةً واسعةً، لكنها مهملةٌ أيضًا. كانت هناك بعض الكراسي القديمة، ونباتاتٌ ذابلة. لكن ما لفت انتباهها هو صندوقٌ خشبيٌّ صغير، كان مخبأً خلف أحد الكراسي، شبه مدفونٍ تحت بعض أوراق الشجر المتساقطة.
كان الصندوق يبدو مختلفًا عن الصناديق الأخرى. كان يحمل نقشًا كبيرًا على غطائه، نقشًا لقلبٍ مكسور.
"القلب المكسور..." تمتمت سارة، وقد شعرت بقلبها يخفق بشدة.
بيدين مرتجفتين، فتحت الصندوق. كان بداخله، ملفوفًا بقطعة قماشٍ حريريةٍ قديمة، دفتر رسمٍ قديم. كان غلافه بنيًا، وبدا عليه أنه قديمٌ جدًا.
فتحت سارة الدفتر بحذر. الصفحات الأولى كانت مليئةً برسوماتٍ رائعة. رسوماتٌ للطبيعة، للطيور، وللوجوه. ثم بدأت تظهر رسوماتٌ أخرى، رسوماتٌ لـ"ليلى" نفسها، ولـ"أحمد". كانت هناك رسوماتٌ حميمةٌ جدًا، تظهر حبًا صادقًا وعميقًا.
لكن ما صدم سارة حقًا، هو الصفحات الأخيرة من الدفتر. كانت الرسومات فيها قد تحولت إلى ألوانٍ داكنة، وتعبيراتٍ عن الحزن واليأس. كانت هناك رسوماتٌ تصور "ليلى" وحيدةً، ورسوماتٌ تصور "أحمد" وهو يبتعد عنها.
وفي إحدى الصفحات، وجدت رسمةً مميزة. كانت رسمةً لـ"ليلى" وهي تجلس في هذه الشرفة، تحمل في يدها رسالةً، وتنظر إلى السماء بحزنٍ. بجانبها، كانت هناك رسمةٌ رمزيةٌ لـ"أحمد"، وكأنه ظلٌّ بعيد.
أسفل الرسمة، كتبت "ليلى" بخطٍ مرتجف: "لقد أخذوا كل شيء. لم يبقَ لي سوى هذا الأثر. أمانةٌ لقلبي، وذكرى لحبٍّ لن يموت."
"هذه هي الأمانة..." همست سارة، وعيناها تفيضان بالدموع. "هذه هي قصة حبها، قصة حزنها، وكل ما بقي لها."
ثم وجدت الصفحة الأخيرة. كانت الصفحة فارغةً تقريبًا، سوى رسمةٍ صغيرةٍ لزهرةٍ ذابلة، وتحتها كلماتٌ قليلة:
"وداعًا يا عالمي. وداعًا يا أحمد. لعلنا نلتقي في مكانٍ أفضل."
أغلقت سارة الدفتر، وشعرت بأنها قد اكتملت. لم تعد هناك أشباحٌ، بل قصةٌ إنسانيةٌ حقيقية، قصة حبٍّ عظيمٍ انتهى بحزنٍ عميق، لكنه استمر في شكل أمانةٍ، في شكل ذكرى.
نظرت سارة إلى الحديقة، إلى المنزل، وكأنها ترى كل شيءٍ بعينين جديدتين. لم يعد هذا البيت مجرد بيتٍ قديمٍ وغامض، بل أصبح يحمل في طياته قصةً تستحق أن تُروى.
قررت سارة أن تحافظ على دفتر الرسم، وعلى كل ما اكتشفته. ستظل هذه الأسرار جزءًا من تاريخ عائلتها، جزءًا من قصتها. لن تدع الظلام ينتصر، كما قالت الرسالة المجهولة. ستمنح "ليلى" و"أحمد" بعض الراحة، من خلال حفظ ذكرى حبهما، ومن خلال فهم الحقيقة.
في ذلك المساء، بينما كانت الشمس تغرب، شعرت سارة بأن شبح "ليلى" قد رحل. لم يعد هناك وجودٌ حزينٌ في المرآة، بل شعورٌ بالسلام. لقد فهمت، وقد فهمت كل شيء. بيت الأشباح القديم لم يكن مسكونًا بالأشباح، بل كان مسكونًا بذكرياتٍ عميقة، وبحبٍّ خالد.