حكايا الأرواح الخائفة
الفصل 10 — النداءُ من الأعماق
بقلم سامر الخفي
الفصل 10 — النداءُ من الأعماق
كانَ الليلُ قدْ اكتملَ سكونُه، وعتمتُه تخيمُ على البيتِ كغطاءٍ ثقيل. جلستُ في غرفتي، والضوءُ الخافتُ للمصباحِ يرتعشُ كشعلةٍ وحيدةٍ في بحرٍ من الظلام. أمامي، كانتْ الأوراقُ المتناثرةُ تحملُ بينَ ثناياها شظايا حقيقةٍ بدأتْ تتجمع، والصورُ القديمةُ تحملُ في طياتها وجوهًا غابرةً تحكي قصصًا لم تُروَ.
قطعةُ الحجرِ الأسودِ في يدي كانتْ تبعثُ دفئًا خفيفًا، كأنها تتفاعلُ معَ حرارةِ روحي المتزايدة. بعدَ حديثِ الزائرِ الغامضِ، وبعدَ تأملي في كلماتِ جدتي، شعرتُ بأنني على وشكِ كشفِ سرٍّ عظيم. لم يعدِ الخوفُ هوَ المسيطر، بل حلَّ محلهُ إصرارٌ وعزيمة.
تذكرتُ جملةَ جدتي: "عندما تتكلمُ الشجرةُ، استمعْ للريح." هذهِ الجملةُ كانتْ محورَ تفكيري طوالَ اليوم. هل كانتْ هناكَ طريقةٌ للتواصلِ معَ الشجرةِ حقًا؟ هل كانتْ تحملُ رسالةً لي؟
قررتُ أنْ أخاطر. نهضتُ من مكاني، وأغلقتُ بابَ غرفتي خلفي، ثمَّ اتجهتُ نحو البابِ الخلفيِّ الذي يؤدي إلى الحديقة. كانَ الهواءُ باردًا، لكنَّه منعشٌ، يحملُ معه رائحةَ الأرضِ الرطبةِ وأوراقِ الأشجار.
وقفتُ أمامَ الشجرةِ العتيقة. بدتْ في ضوءِ القمرِ ككيانٍ أسطوري، واقفةً شامخةً، كأنها تحملُ تاريخَ الزمان. رفعتُ يدي، ووضعتُها برفقٍ على جذعها الخشن. شعرتُ بحرارةٍ خفيفةٍ تسري من الجذعِ إلى يدي، كأنها حياةٌ كامنةٌ بداخلها.
"أيتها الشجرةُ العظيمة،" همستُ بصوتٍ بالكادِ يُسمع. "أنا هنا. أنا أستمع. أرجوكِ، أخبريني. ما هيَ الأسرارُ التي تحملينها؟ ما هيَ القصةُ الحقيقية؟"
في البداية، لم يحدثْ شيء. فقط، حفيفُ الأوراقِ وصوتُ الريحِ يمرُّ عبرَ أغصانها. لكنني لم أتخلَّ عن الأمل. أغمضتُ عيني، وركزتُ كلَّ حواسي. بدأتُ أشعرُ بأنَّ الشجرةَ تستجيب.
بدأتْ أشعرُ بأنَّ الأرضَ تحتَ قدمي تهتزُّ برفق، وأنَّ الريحَ تزدادُ قوةً، حاملةً معها أصواتًا خافتة، كأنها همساتٌ قديمة. بدأتْ هذهِ الهمساتُ تتجمعُ، تتشكلُ، لتصبحَ صورًا وكلماتٍ في ذهني.
رأيتُ مشهدًا قديمًا. رجلٌ قويٌّ، ذو وجهٍ قاسٍ، يقفُ أمامَ الشجرةِ، يتحدثُ بكلماتٍ غاضبة. رأيتُ جدتي، وهيَ شابةٌ صغيرة، تقفُ بعيدًا، تنظرُ بخوف. ثمَّ رأيتُ الرجلَ يضعُ شيئًا في الأرضِ بالقربِ من جذعِ الشجرة، شيئًا لامعًا، ثمَّ يرحلُ وهوَ يصرخُ بكلماتٍ مليئةٍ بالحقد.
بعدَ رحيلهِ، تأتي جدتي. تضعُ يدها على الأرضِ، وتبدأُ في حفرِ المكانِ الذي وضعَ فيهِ الرجلُ شيئًا. ثمَّ تدفنُ شيئًا آخرَ في نفسِ المكان. كانتْ تبدو منهكةً، وقلبها مليءٌ بالخوفِ والألم.
هنا، فهمتُ. الرجلُ الذي رأيتهُ في الصورة، ربما كانَ شخصًا بغيضًا، تركَ شيئًا شريرًا. وجدتي، في محاولةٍ لحمايةِ عائلتها، حاولتْ أنْ تدفنَ هذا الشرَّ، وأنْ تضعَ شيئًا آخرَ في مكانه، ربما شيئًا للحماية، أو شيئًا لفكِّ اللعنة.
ثمَّ رأيتُ مشهدًا آخر. ابنةَ جدتي، أمي، تقفُ أمامَ الشجرةِ وهيَ طفلة، تلعبُ بالقربِ منها. رأيتُ يدها الصغيرةَ تلمسُ الأرضَ، بالقربِ من المكانِ الذي دفنتْ فيهِ جدتي. هل كانتْ هيَ منْ استدعتْ هذا الشرَّ مرةً أخرى؟
"النداءُ من الأعماق،" همستُ. هذهِ كانتْ الكلماتُ التي بدأتْ تترددُ في ذهني، تأتي من الشجرةِ، من الريح، من الماضي.
شعرتُ بأنَّ الشجرةَ تطلبُ مني شيئًا. لم تكنْ تطلبُ مني أنْ أخشى، بل أنْ أفهم. أنْ أجدَ ما دفنتهُ جدتي، وما تركهُ الرجلُ الغريب.
بجرأةٍ متجددة، بدأتُ أحفرُ الأرضَ بالقربِ من جذعِ الشجرة. كانتْ الأرضُ صلبةً، لكنَّ إصراري كانَ أقوى. بعدَ عدةِ دقائق، اصطدمتْ يدي بشيءٍ معدني. كانَ الصندوقُ المعدنيُّ البارد، الذي دفنتهُ في وقتٍ سابق.
لكنَّ هذا لم يكنْ كلَّ شيء. بجانبِ الصندوق، وجدتُ شيئًا آخر. كانَ كيسًا صغيرًا مصنوعًا من الجلدِ القديم. فتحتُه بحذر. بداخله، كانتْ هناكَ قطعةٌ من حجرٍ داكن، عليها نقوشٌ غريبة، وبعضُ الأوراقِ الصغيرةِ المكتوبةِ بلغةٍ لا أعرفها.
هل هذا هوَ ما تركهُ الرجلُ الغريب؟ هل هذا هوَ مصدرُ الشرِّ؟
رفعتُ قطعةَ الحجرِ الداكن. شعرتُ ببرودةٍ شديدةٍ تسري في يدي، كأنها سمٌّ بارد. شعرتُ بطاقةٍ مظلمةٍ تنبعثُ منها.
"هذا هوَ الشرُّ،" همستُ. "هذا هوَ ما يجبُ مواجهته."
في تلكَ اللحظة، شعرتُ بأنَّ الشجرةَ تمنحني قوةً. شعرتُ بأنَّ الريحَ تحيطُ بي، كأنها درعٌ واقٍ.
أخذتُ ما وجدتهُ، وعدتُ إلى غرفتي. جلستُ أمامَ الصندوقِ المعدنيِّ، وقطعةِ الحجرِ الداكن. لم أعدْ أخشى الظلام. لقدْ رأيتُ وجههُ الحقيقي، وفهمتُ طبيعةَ هذا الصراع.
لقدْ كانَ نداءً من الأعماق، نداءً من الماضي، نداءً يطلبُ مني أنْ أقفَ في وجهِ الشرِّ، وأنْ أحميَ ما تبقى من نورٍ في هذهِ العائلة.
نظرتُ إلى قطعةِ الحجرِ الأسودِ التي أعطاني إياها الزائر. ثمَّ نظرتُ إلى قطعةِ الحجرِ الداكن. بدتْ متشابهتين، لكنَّ واحدةً كانتْ تبعثُ دفئًا، والأخرى برودةً.
"ربما،" قلتُ لنفسي، "عليَّ أنْ أجدَ طريقةً لأعيدَ الأمورَ إلى نصابها. أنْ أوقفَ هذهِ اللعنةَ للأبد."
الليلةُ لم تكنْ نهايةَ القصة، بل كانتْ مجردَ بدايةٍ جديدة. بدايةٌ لمواجهةٍ أكبر، لم يسبق لي أنْ خضتها. ولكنني الآنَ، لم أعدْ خائفًا. لقدْ وجدتُ قوتي.