حكايا الأرواح الخائفة
الفصل 12 — لقاءٌ غيرُ متوقعٍ على ضفافِ النهر
بقلم سامر الخفي
الفصل 12 — لقاءٌ غيرُ متوقعٍ على ضفافِ النهر
بعد أيام قليلة، بدأت الأجواء في قصر آل السعد تزداد توتراً. كانت ليلى غارقة في دراسة المخطوطات، محاولةً فك طلاسمها، بينما كان أحمد يقضي وقته في البحث عن أي معلومات حول تاريخ العائلة الغامض، محاولاً ربط الأحداث بالقصص التي سمعها من جدته. والدتهما، السيدة فاطمة، كانت تراقب الوضع بقلق متزايد، تلتمس العذر لغيبة ابنتها الطويلة، وتتمنى لو أن هذا القصر لم يفتح أبوابه لهم أبداً.
في إحدى الأمسيات الهادئة، بينما كانت الشمس تلقي بآخر أشعتها الذهبية على المدينة، قررت ليلى الخروج قليلاً لتمشية. شعرت بالحاجة إلى الهواء النقي، وإلى الابتعاد عن جدران المكتبة التي أصبحت سجناً لها. توجهت نحو النهر الذي يمر بالقرب من القصر، حيث اعتادت أن تقضي أوقاتاً هادئة في طفولتها.
كان النهر ينساب بهدوء، يعكس سماءً صافية مليئة بالنجوم التي بدأت تظهر. جلست ليلى على ضفة النهر، تراقب انعكاس ضوء القمر على سطح الماء. كان صوت خرير الماء هادئاً، يبعث على السكينة. لكن حتى في هذا المكان الهادئ، لم تستطع أن تنسى ما يحدث. صور الزائر الغامض، والرموز في المخطوطات، كانت لا تزال تطاردها.
"يجب أن أفهم،" همست لنفسها. "يجب أن أعرف ماضي هذه العائلة، وما هو سر هذا القصر."
بينما كانت غارقة في أفكارها، سمعت صوت خطوات تقترب. رفعت رأسها، لتجد أمامها رجلاً يبدو في منتصف العمر، يرتدي ملابس بسيطة، ويحمل في يده عصا خشبية. كان وجهه هادئاً، لكن عينيه تحملان بريقاً من الحكمة والعمق.
"مساء الخير،" قال الرجل بابتسامة دافئة. "هل هذا المكان مخصص للجلوس والتأمل؟"
شعرت ليلى بالدهشة من اللقاء غير المتوقع. "مساء النور. نعم، إنه كذلك. أحياناً أحتاج إلى بعض الهدوء."
"أتفهم ذلك،" قال الرجل وهو يجلس بجانبها، على مسافة محترمة. "هذا النهر له سحر خاص، أليس كذلك؟ يبعث على الطمأنينة."
"نعم، تماماً،" أجابت ليلى، وهي تشعر براحة غريبة في وجود هذا الرجل. "لقد كنت آتي إلى هنا منذ أن كنت طفلة."
"أنا أيضاً،" قال الرجل. "لقد قضيت جزءاً كبيراً من حياتي هنا. هذا المكان يحمل ذكريات كثيرة."
صمتت ليلى للحظة، ثم قررت أن تسأله. "هل تعرف شيئاً عن قصر آل السعد؟"
نظر الرجل إليها بتمعن. "قصر آل السعد؟ نعم، أعرفه. لقد كان جزءاً من تاريخ هذه المنطقة منذ زمن طويل."
"هل تعرف قصته؟" سألت ليلى بحذر.
ابتسم الرجل ابتسامة خفيفة. "كل قصر له قصته، يا ابنتي. وقصر آل السعد له قصص كثيرة، بعضها جميل، وبعضها... مظلم."
شعرت ليلى بأن قلبها يخفق. "مظلم؟ كيف؟"
"هناك أسرار تدفن في كل مكان، يا ابنتي،" قال الرجل بهدوء. "وأحياناً، هذه الأسرار ترفض أن تبقى مدفونة."
"هل تقصد... هل تقصد الأشباح؟" سألت ليلى بصوت خافت.
نظر إليها الرجل بعينيه اللامعتين. "الأرواح لا تموت، يا ابنتي. إنها تتجسد بطرق مختلفة. وقد تكون بعض هذه الأرواح عالقة، تبحث عن راحة، أو عن عدالة."
"لكن كيف يمكننا مساعدتها؟" سألت ليلى، وهي تشعر بأنها تقترب من فهم شيء ما.
"الحكمة هي المفتاح،" قال الرجل. "فهم الماضي، وفهم الأسباب. بعض الأبواب تفتح بالكلمات، وبعضها بالحقائق."
"أنا أبحث عن شيء ما،" قالت ليلى بصراحة. "لقد وجدت بعض المخطوطات القديمة في القصر. تبدو غريبة، مليئة بالرموز."
أومأ الرجل برأسه ببطء. "الرموز تحمل معاني عميقة، يا ابنتي. إنها لغة الأقدمين. وقد تكون هذه المخطوطات هي مفاتيح لحل ألغاز قديمة."
"هل يمكنك مساعدتي؟" سألت ليلى، وقلبها يتجه نحو الأمل. "هل تفهم هذه اللغات القديمة؟"
نظر الرجل إليها مرة أخرى، بابتسامة غامضة. "ربما. اسمي هو يوسف. ولقد كرست جزءاً كبيراً من حياتي لدراسة التاريخ القديم، ولغات الأقوام التي سكنت هذه الأرض."
"أنا ليلى،" قالت ليلى. "لابد أن هذا لقاءٌ من عند الله."
"كل لقاء له سببه، يا ليلى،" قال يوسف. "وقد يكون لقاؤنا هنا اليوم له سببٌ عميق."
نهض يوسف. "إذا كنتِ جادة في بحثك، يمكنني مساعدتك. أحضري لي تلك المخطوطات غداً. سنلتقي هنا، عند شروق الشمس. ربما نستطيع معاً أن نفتح بعض الأبواب المغلقة."
"شكراً جزيلاً لك يا عم يوسف،" قالت ليلى بامتنان. "سأكون هنا بالتأكيد."
عندما ابتعد يوسف، شعرت ليلى بأنها تحمل عبئاً أخف. للمرة الأولى منذ وصولها إلى القصر، شعرت بأن هناك بصيص أمل. هل كان هذا الرجل هو الشخص الذي سيساعدها على فهم ما يحدث؟ هل كان مفتاحاً لحل لغز القصر؟
عادت إلى القصر، وقلبها مليء بالترقب. أخبرت أحمد عن لقائها بيوسف، وعن عرضه بالمساعدة. كان أحمد سعيداً لسماع ذلك، فقد كان قلقاً جداً على ليلى، وشعر بأن هذا اللقاء قد يكون نقطة تحول.
في تلك الليلة، نامت ليلى نوماً هادئاً، لأول مرة منذ وقت طويل. كان حلمها مليئاً بالضوء، وبالرموز التي بدأت تتضح أمام عينيها. كان صدى الماضي يبدو أقل تهديداً، وبدأ يتشكل في وعيها كقصة تحتاج إلى فهم، لا إلى خوف. لقاءٌ غير متوقع على ضفاف النهر، قد يكون هو الشرارة التي ستضيء دروبهم المظلمة.