حكايا الأرواح الخائفة
الفصل 17 — صدى النداء في قلبِ الظلام
بقلم سامر الخفي
الفصل 17 — صدى النداء في قلبِ الظلام
لم تنمْ سعادُ تلكَ الليلةَ نوماً هانئاً. كلَما أغمضتْ عينيها، كانتْ ترى وجوهَ الأشخاصِ في الصورةِ القديمة، وتسمعُ الهمساتِ الغامضةَ التي تترددُ في أذنيها. كانتْ تشعرُ بأنها قد خطتْ خطوةً إلى عالمٍ لم تعدْ تستطيعُ الخروجَ منهُ بسهولة. في صباحِ اليومِ التالي، كان وجهها شاحباً، وعيناها تحملانِ آثارَ السهرِ الطويل. حاولتْ أن تتصرفَ بشكلٍ طبيعي، لكنها كانتْ تشعرُ بأنها مراقبة.
خلالَ وجبةِ الإفطار، كان الجميعُ هادئين كالعادة، لكن سعادَ كانتْ تراقبُ ردودَ أفعالهم، وتبحثُ عن أيِ إشارةٍ إلى معرفتهم بما حدث. كان عمها، السيدَ إبراهيم، يتناولُ طعامهُ بهدوءٍ كالعادة، لكنها لاحظتْ أنهُ كان يحدقُ بها لفترةٍ أطولَ من المعتاد، وكأنهُ يحاولُ قراءةَ ما يدورُ في ذهنها. أما ابنتُهُ، ليلى، فكانتْ تبدو شارِدةً، منهمكةً في أفكارها الخاصة.
بعدَ الإفطار، قررتْ سعادُ أن تبدأَ بالبحثِ عن معلومات. لم تستطعْ أن تتجاهلَ ما رأتهُ في تلكَ الغرفةِ الصغيرة. ذهبتْ إلى المكتبةِ العامةِ في القصر، وهي المكتبةُ التي اعتادتْ قضاءَ ساعاتٍ فيها في قراءةِ الكتبِ والروايات. لكن هذهِ المرة، كانتْ تبحثُ عن شيءٍ مختلف. كانتْ تبحثُ عن تاريخِ العائلة، عن أيِ سجلاتٍ قديمة، عن أيِ ذكرٍ للطقوسِ أو للأشخاصِ الذين تحدثتْ عنهم الأوراق.
أمضتْ ساعاتٍ طويلةً وهي تتنقلُ بينَ الكتبِ القديمة، ورائحةُ الورقِ والغبارِ تملأُ المكان. كانتْ تجدُ الكثيرَ من المعلوماتِ عن تاريخِ بناءِ القصر، وعن الأجيالِ التي عاشتْ فيه، لكنها لم تجدْ أيَ شيءٍ يتعلقُ بالأسرارِ التي بدأتْ تظهر. ثم، وبينما كانتْ تبحثُ في صندوقٍ خشبيٍ قديمٍ مليءٍ بالسجلاتِ المبعثرة، وقعَ بصرها على مجلدٍ جلديٍ عتيقٍ يبدو مختلفاً عن البقية. كان مغبرًا، وعنوانه باللغةِ اللاتينيةِ القديمة، لم تستطعْ فهمهُ.
بتردد، فتحتْ المجلد. كانتْ الصفحاتُ مكتوبةً بنفسِ الخطِ اليدويِ الذي رأتهُ في الغرفةِ الصغيرة. كانتْ هذهِ المرةِ أكثرَ تفصيلاً. كانتْ تتحدثُ عن "حراسِ الأسرار" وعن "العهدِ القديم" الذي يربطُ العائلةَ بقوىً معينة. كان هناكَ وصفٌ مفصلٌ لطقوسٍ كانتْ تُقامُ في أوقاتٍ معينةٍ من السنة، لاستدعاءِ "قوىً لم تُعرفْ بعد". كانتْ هناكَ أسماءٌ لأشخاصٍ قدماء، بعضُها كان مألوفاً لها من سجلاتِ العائلة، وبعضُها الآخرَ كان غريباً تماماً.
كلما تعمقتْ في القراءة، زادَ الخوفُ لديها. لم تكنْ هذهِ مجردَ حكاياتٍ خرافية، بل كانتْ تبدو وكأنها حقائقُ مدفونة. كان هناكَ فصلٌ كاملٌ يتحدثُ عن "الجانبِ الآخر"، وعن "الكياناتِ التي تسكنُ في الظلام". كانتْ هناكَ إشاراتٌ إلى "البوابةِ التي لا تفتحُ إلا للقلوبِ النقية"، وأن هذهِ البوابةَ قد أُغلقتْ منذُ زمنٍ طويل.
بينما كانتْ تقرأُ، شعرتْ ببرودةٍ مفاجئةٍ تسري في الغرفة، رغمَ دفءِ الجو. رفعتْ رأسها، وشعرتْ بأنها ليستْ وحدها. في زاويةِ الغرفة، رأتْ ظلاً طويلاً يتحركُ ببطء. لم يكنْ ظلاً عادياً، بل كان لهُ شكلٌ غريب، وكأنهُ يمتدُ ويتلوى. حاولتْ أن تتجاهلَ الأمر، وأن تعودَ إلى قراءةِ المجلد، لكن الخوفَ بدأَ يتملكها.
فجأة، سمعتْ صوتاً خافتاً، أقربَ ما يكونُ إلى الهمس، يقولُ اسمها: "سعاد..."
تجمدتْ في مكانها. الصوتُ لم يكنْ من أحدٍ في الغرفة. لم يكنْ صوتَ عمها أو ليلى. كان صوتاً آخر، صوتاً يبدو وكأنهُ قادمٌ من بعيد، من مكانٍ مظلم.
"من هناك؟" سألتْ بصوتٍ مرتجف.
الصمتُ كان هو الجواب. ثم عادتْ الهمساتُ، أقوى هذهِ المرة، وبدأتْ تتجمعُ حولها، كأنها أشباحٌ تحاولُ التحدثَ إليها. لم تستطعْ تمييزَ الكلماتِ بوضوح، لكنها شعرتْ بأنها تتحدثُ عن "الألم"، وعن "الضياع"، وعن "الحزنِ القديم".
في تلكَ اللحظة، استدعتْ سعادُ كلَ ما تبقى لديها من شجاعة. أمسكتْ بالمجلدِ بإحكام، ووقفتْ بثبات. "ماذا تريدون مني؟" صاحتْ بصوتٍ قويٍ رغمَ خوفها. "ما الذي تبحثون عنه؟"
لم يكنْ هناكَ ردٌ مباشر، لكن الظلالَ بدأتْ تتراجعُ ببطء، والبرودةُ خفتتْ قليلاً. شعرتْ بأنها قد أزعجتْ شيئاً ما، أو أنها قد لفتتْ انتباهَ قوةٍ ما. أغلقتْ المجلدَ بسرعة، ووضعتهُ في حقيبتها، ثم خرجتْ من المكتبةِ بخطواتٍ سريعة.
عادتْ إلى غرفتها، وأغلقتْ البابَ بإحكام. جلستْ على سريرها، وحقيبتها بجانبها، تحتوي على هذا الكنزِ المظلم. أدركتْ أن ما حدثَ في تلكَ الغرفةِ الصغيرةِ قبلَ ليلة، وما قرأتهُ في المجلد، لم يكنْ مجردَ خيال. كان هناكَ عالمٌ آخرُ يوازي عالمهم، عالمٌ مليءٌ بالأرواحِ الخائفةِ والقصصِ التي لم تُروَ.
كانتْ تشعرُ بأنها قد أصبحتْ مركزَ شيءٍ أكبرَ بكثير، شيءٍ لم تفهمهُ تماماً بعد. هل كان هؤلاءِ "الحراس" يريدون منها شيئاً؟ هل كانوا يحاولون تحذيرها؟ أم كانوا يحاولون جذبها إلى جانبهم؟
نظرتْ إلى النافذة، ورأتْ سماءً رماديةً تبشرُ بالمطر. شعرتْ بأن هذهِ السماءَ تعكسُ حالتها الداخلية، حالةٌ من الحزنِ والترقب. لكن وسطَ كلِ هذا الخوفِ والغموض، كان هناكَ شعورٌ بالهدفِ يتكونُ بداخلها. لقد بدأتْ ترى الصورةَ تتضح، ببطءٍ شديد، لكنها تتضح. وأنها، بطريقةٍ ما، مرتبطةٌ بكلِ هذا.