حكايا الأرواح الخائفة

الفصل 18 — لقاءٌ مع الماضي في أعماقِ الغابة

بقلم سامر الخفي

الفصل 18 — لقاءٌ مع الماضي في أعماقِ الغابة

بعدَ الأحداثِ الأخيرة، وبعدَ أن أصبحتْ سعادُ على درايةٍ بوجودِ شيءٍ غامضٍ يحيطُ بالقصرِ وبالعائلة، شعرتْ بأنها بحاجةٍ إلى الخروجِ من هذهِ الأجواءِ الخانقة. كانتْ غابةُ الصنوبرِ المجاورةُ للقصرِ دائماً مكاناً هادئاً ومريحاً بالنسبةِ لها، مكاناً تستطيعُ فيهِ أن تفكرَ وتتأمل. في عصرِ أحدِ الأيام، بينما كانتْ الشمسُ تميلُ نحو الغروب، قررتْ أن تذهبَ إلى الغابة، حاملةً معها المجلدَ الجلديَ الثمين.

كانتْ الغابةُ في هذا الوقتِ من العامِ ذاتَ جمالٍ خاص. ألوانُ الخريفِ كانتْ تزينُ الأشجارَ بألوانٍ تتراوحُ بينَ الذهبيِ والأحمرِ والبني. نسيمٌ عليلٌ يحملُ معه رائحةَ الترابِ الرطبِ وأوراقِ الشجرِ المتساقطة. كانتْ سعادُ تسيرُ ببطءٍ، تستمتعُ بالهدوءِ المحيطِ بها، وتحاولُ استيعابَ كلِ ما قرأته.

كانتْ الأفكارُ تتصارعُ في رأسها: من هم هؤلاءِ "الحراس"؟ وما هو "العهدُ القديم"؟ ولماذا تشعرُ بأنها مرتبطةٌ بكلِ هذا؟ كانتْ تعتقدُ أن الإجابةَ قد تكونُ مخبأةً في مكانٍ ما في هذا القصر، أو في هذهِ الغابة.

وصلتْ إلى مكانٍ معتادٍ لها، وهو عبارةٌ عن حفرةٍ صغيرةٍ محاطةٍ بصخورٍ كبيرة، بالقربِ من جدولٍ صغيرٍ يتدفقُ بصوتٍ هادئ. جلستْ على أحدِ الصخور، ووضعتْ المجلدَ بجانبها. أخرجتْ ورقةً وقلمَ رصاص، وبدأتْ تدونُ ملاحظاتٍ، تحاولُ ربطَ الأحداثِ ببعضها البعض.

بينما كانتْ منهمكةً في كتاباتها، سمعتْ صوتاً قادماً من خلفِ الأشجار. صوتُ حركةٍ خفيفة، ثم صوتُ خطواتٍ. رفعتْ رأسها بسرعة، وعيناها تبحثانِ عن مصدرِ الصوت. لم ترَ شيئاً في البداية، ثم خرجَ رجلٌ كبيرُ السن، يرتدي ملابسَ رثة، ويتكئُ على عصا خشبية.

كان الرجلُ يبدو غريباً. وجههُ مليءٌ بالتجاعيد، لكن عينيهِ كانتا تحملانِ لمعاناً حاداً، يشبهُ لمعانَ المستكشفِ الذي رأى الكثير. شعرتْ سعادُ بنوعٍ من الرهبةِ تجاههُ، لكنها لم تشعرْ بالخوفِ المباشر.

"من أنت؟" سألتْ سعادُ بصوتٍ هادئ، لكنه يكشفُ عن بعضِ التوتر.

نظرَ إليها الرجلُ بتمعن، ثم ابتسمَ ابتسامةً خفيفة. "أنا مجردُ عابرٍ سبيل، ابنتي. أو ربما... حارسٌ قديم."

تجمدتْ سعادُ في مكانها. "حارسٌ قديم؟" كررتْ الكلمةَ بصوتٍ مذهول.

أومأَ الرجلُ برأسه. "نعم. هذا المكانُ يحملُ أسراراً كثيرة، وأنا من بينِ القلائلِ الذينَ يعرفونَ بعضَها."

اقتربتْ سعادُ منهُ ببطء، وقلبها يدقُ بعنف. "هل... هل تعرفُ عن حراسِ الأسرار؟ وعن العهدِ القديم؟"

اتسعتْ ابتسامةُ الرجل. "أعرفُ أكثرَ مما تتخيلين، يا سعاد. لقد كنتُ أنتظرُ هذهِ اللحظةَ منذُ زمنٍ طويل."

شعرتْ سعادُ بأنها تقفُ أمامَ شخصٍ لهُ علاقةٌ بكلِ ما يحدث. "كيفَ تعرفُ اسمي؟"

"الأسماءُ ليستْ غريبةً على من يعيشُ مع الأسرار،" قالَ الرجلُ ببساطة. "أنا لستُ وحدي. هناكَ آخرونَ. نحنُ من بقايا جماعةٍ قديمة، حماةُ ما يجبُ حمايته."

بدأتْ سعادُ تشعرُ بأنها في حلم. "حماةُ ماذا؟"

"حماةُ التوازن،" أجابَ. "بينَ عالمنا وعالمٍ آخر. عالمٌ تسكنهُ قوىً لا تُرى، لكنها تؤثرُ في حياتنا. العهدُ القديمُ هو ميثاقٌ تمَ إبرامُهُ منذُ قرون، لضمانِ عدمِ تسربِ هذهِ القوى إلى عالمنا بشكلٍ مدمر."

أخرجتْ سعادُ المجلدَ الجلديَ من حقيبتها. "هل هذا لهُ علاقةٌ بهذا؟"

نظرَ الرجلُ إلى المجلدِ بعينينِ تلمعان. "نعم. هذا سجلٌ ثمين، يحتوي على الكثيرِ من الحقائق. لكنه أيضاً مليءٌ بالتحذيرات. لقد تمَ إغلاقُ البوابةِ التي تربطُ العالمين منذُ زمن، لأن الإنسانَ لم يعدْ مستعداً لمواجهةِ ما وراءها."

"البوابة؟" تساءلتْ سعاد. "وماذا عن القوى؟ هل هي شريرة؟"

"ليستْ شريرةً بالضرورة،" أوضحَ الرجل. "لكنها مختلفة. قوتها تفوقُ فهمنا، وقد تكونُ مدمرةً إذا لم تُدركْ بحكمة. الكثيرُ من الأجيالِ السابقةِ في عائلتكَ كانوا يعرفونَ بهذهِ الأمور، وكانوا يحاولونَ الحفاظَ على هذا السِر. لكن معَ مرورِ الزمن، بدأَ الإيمانُ يضعف، وبدأَ البعضُ يسعى وراءَ القوةِ بطرقٍ خاطئة."

"هل تقصدُ...؟" بدأتْ سعادُ، تفكرُ في تلكَ الطقوسِ الغامضةِ التي قرأتْ عنها.

"نعم،" أكدَ الرجل. "هناك من يحاولُ إعادةَ فتحِ البوابة، أو استغلالَ القوى الموجودة. وهذا هو الخطرُ الحقيقي. هذا هو سببُ هذهِ الظواهرِ الغريبةِ التي بدأتْ تحدث."

شعرتْ سعادُ ببردٍ يتسللُ إلى عظامها، ليسَ بردَ الطقس، بل بردَ الحقيقة. "لكن... لماذا أنا؟ لماذا يحدثُ هذا لي؟"

"لأنكِ جزءٌ من هذهِ العائلة،" قالَ الرجلُ بهدوء. "ولأنكِ تحملينَ في داخلكِ نقاءً نادراً، نقاءً هو المفتاحُ لإغلاقِ البوابةِ أو فتحها. روحُكِ لم تتلوثْ بالرغبةِ في القوةِ أو بالخوفِ المفرط. وهذا ما يجعلُكِ محطَ اهتمامٍ لكلا الجانبين."

"هل... هل تستطيعُ مساعدتي؟" سألتْ سعادُ، الأملُ يتسللُ إلى صوتها.

ابتسمَ الرجلُ مرةً أخرى، ابتسامةٌ تحملُ حكمةَ السنين. "سأفعلُ ما بوسعي. لكن عليكِ أن تقرري بنفسكِ. عليكِ أن تختاري الطريقَ الصحيح. الأسرارُ ليستْ لعبة، والقوى ليستْ مجردَ حكايات."

تنهدتْ سعادُ. لقد كانتْ أمامَ مفترقِ طرقٍ حقيقي. لم تعدْ الأمورُ مجردَ خوفٍ ورعب، بل أصبحتْ مسؤولية. مسؤوليةٌ تجاهَ عائلتها، وتجاهَ هذا العالمِ الذي اكتشفتْ أن لهُ جوانبَ خفية.

"ماذا يجبُ عليَّ أن أفعل؟" سألتْ، مستعدةً لسماعِ أيِ شيء.

"عليكِ أن تبحثي عن الحقيقةِ كاملة،" قالَ الرجل. "لا تخافي مما ستجدين. يجبُ أن تفهمي لماذا تمَ إغلاقُ البوابة، ولماذا يحاولُ البعضُ فتحها الآن. والأهمُ من ذلك، يجبُ أن تحمي قلبكِ من الظلام."

ثم، وكأن شيئاً لم يكن، بدأَ الرجلُ يتراجعُ ببطءٍ نحو ظلالِ الغابة. "سأكونُ هنا، إن احتجتِ إليَّ. ابحثي عن الحجرِ الذي يضيءُ في الليل، ستجدينني."

اختفى الرجلُ بينَ الأشجار، تاركاً سعادَ وحدها في الغابة، معَ المجلدِ الثمين، ومعَ أفكارٍ جديدةٍ ومخيفة. شعرتْ بأنها قد تلقتْ مفتاحاً، مفتاحاً لعالمٍ جديد. لكنها لم تكنْ متأكدةً ما إذا كان هذا المفتاحُ سيفتحُ لها بابَ النجاة، أم بابَ الهلاك.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%