حكايا الأرواح الخائفة

الفصل 2 — همساتٌ في أروقة البيت

بقلم سامر الخفي

الفصل 2 — همساتٌ في أروقة البيت

مرت الأيام الأولى على عودة "ليلى" إلى بيت السنديان. حاولت قدر المستطاع أن تعيش حياةً طبيعية، وأن تركز على رعاية والدتها، وأن تستمتع ببعض الوقت معها. لكن البيت كان له كلمته الخاصة. كان يمتلك إيقاعًا مختلفًا، إيقاعًا يعتمد على الصمت العميق، واللحظات المفاجئة من الضوضاء التي تكسر هذا الصمت.

كل ليلة، عندما تغفو "أمينة" في غرفتها، كانت "ليلى" تجد نفسها مستيقظة. لم تكن قادرةً على النوم. كانت تسمع أصواتًا غريبة. أحيانًا، كانت أصوات خطواتٍ خفيفةٍ على الأرضية الخشبية في الممر العلوي، رغم أنها كانت متأكدةً من أن لا أحد يسكن في تلك الغرف. وأحيانًا، كانت أصواتًا أشبه بأنفاسٍ ثقيلةٍ قادمةٍ من داخل الجدران. كانت تحاول أن تقنع نفسها بأنها مجرد أصواتِ بيتٍ قديم، أصواتُ تمدد الخشب، أو حركاتِ الرياح. لكن هذه الأصوات كانت تبدو أكثر انتظامًا، وأكثر إصرارًا، من أن تكون مجرد ظواهر طبيعية.

ذات ليلة، بينما كانت "ليلى" تقلب في فراشها، سمعت صوتًا واضحًا جدًا. صوتٌ أشبه بكلمةٍ هامسة. "اخرجوا..."

انتفضت "ليلى" من سريرها. قلبها كان يخفق بجنون. وقفت في منتصف الغرفة، تستمع بانتباه. ساد الصمت مرةً أخرى. هل سمعت حقًا؟ أم أن الخوف بدأ يتلاعب بعقلها؟

قررت أن تخرج من غرفتها وتتأكد. أمسكت بمصباحٍ صغيرٍ كان على طاولتها، وفتحت باب غرفتها بحذر. الممر كان مظلمًا، لكن ضوء القمر الذي كان يتسلل عبر النوافذ، كان يرسم أشكالاً غريبة على الجدران. كل ظلٍ كان يبدو وكأنه يتحرك، وكأنه يتشكل.

بدأت تمشي ببطءٍ شديد، وكل خطوةٍ كانت تبدو وكأنها مدويةٌ في صمت الليل. وصلت إلى نهاية الممر، حيث توجد الغرف التي لم تُستخدم منذ سنوات. باب إحدى الغرف كان مواربًا قليلاً. كانت تعلم أن والدتها قد أغلقت جميع الغرف بإحكام.

دفعت الباب ببطءٍ شديد. انفتح الباب بصريرٍ خفيفٍ أرسل قشعريرةً في جسد "ليلى". الغرفة كانت مظلمةً تمامًا. لم يكن بها سوى سريرٍ قديمٍ مغطى بقطعة قماشٍ بيضاء، وخزانةٍ خشبيةٍ ضخمة. عندما وجهت ضوء المصباح نحو الخزانة، لاحظت أن بابها مفتوحٌ قليلاً.

اقتربت "ليلى" من الخزانة، وقلبها يكاد يخرج من صدرها. نظرت بداخلها، فلم تجد شيئًا سوى بعض الملابس القديمة المتربة. لكنها شعرت بشيءٍ غريب. شعرت بوجودٍ ما. شعورٌ بالبرودة الشديدة، ورائحةٌ غريبةٌ لم تستطع تحديدها، رائحةٌ أشبه بالتراب الرطب والياسمين الذابل.

فجأة، انغلق باب الخزانة بقوةٍ مفاجئة. صرخت "ليلى" وقفزت إلى الخلف. ارتطم الباب بالجدار، وأحدث صوتًا هز أركان البيت. التقطت مصباحها وركضت خارج الغرفة، دون أن تنظر خلفها. عادت إلى غرفتها، وأغلقت الباب بإحكام، وجلست على السرير، تحاول أن تستعيد أنفاسها.

في صباح اليوم التالي، كانت "ليلى" مرهقةً جدًا. عندما رأت والدتها، قررت أن تخبرها بما حدث.

"أمّي، لقد سمعتُ أصواتًا غريبة الليلة الماضية، واكتشفتُ أن باب إحدى الغرف العلوية كان مفتوحًا، وأن باب الخزانة انغلق فجأة."

نظرت إليها "أمينة" بوجهٍ شاحبٍ أكثر من المعتاد. "ألم أقل لكِ يا ليلى أن هذه مجرد أوهام؟"

"لكن هذا كان حقيقيًا يا أمّي! الباب انغلق بقوة! وشعرتُ بشيءٍ غريبٍ في تلك الغرفة."

تنهدت "أمينة" وتناول كوب الشاي. "البيتُ قديمٌ يا ابنتي. الجدرانُ تتحرك، والأبوابُ تنغلق بفعلِ اهتزازاتٍ بسيطة. ربما كنتِ متوترةً، فكل شيءٍ بدا لكِ أكبرَ مما هو عليه."

"ولكن، ما هي قصةُ تلك الغرفة يا أمّي؟ لمَ هي مغلقةٌ دائمًا؟" سألت "ليلى" بإصرار.

نظرت "أمينة" بعيدًا، وبدأت أصابعها ترتجف وهي تمسك بالكوب. "تلك الغرفة... كانت غرفةَ جدتِكِ."

"جدتي؟ لم أعرف قط أن لدي جدةً توفيت هنا."

"نعم. جدتُكِ، والدةُ أبيكِ. كانت امرأةً... مريضةً. أمضت سنواتها الأخيرة وحيدةً في تلك الغرفة. كان والدكِ يعتني بها كثيرًا، لكنها لم تكن تتعافى أبدًا. وبعد وفاتها، لم نعد ندخل تلك الغرفة أبدًا."

"وماذا عن الخزانة؟"

"كانت تحتوي على أغلب متعلقاتها. أشياءٌ شخصيةٌ جدًا. ربما... ربما شعرتِ بشيءٍ منها." قالت "أمينة" بصوتٍ منخفض، وكأنها تروي سرًا قديمًا.

"لكن لماذا لم تخبرني بهذا من قبل؟"

"لم أرد أن أخيفكِ يا ليلى. لم أرد أن أثقلَ قلبكِ بأحزانٍ ماضية."

شعرت "ليلى" بأنها تقترب من شيءٍ ما. شيءٌ كان والدها يخفيه. شيءٌ كانت والدتها تخاف منه. كانت تلك الغرفة، وتلك الخزانة، مفتاحًا لشيءٍ ما.

في تلك الليلة، لم تستطع "ليلى" النوم مرةً أخرى. سمعت نفس الأصوات، لكنها هذه المرة كانت أكثر وضوحًا. همساتٌ متفرقة، وأصواتٌ أشبه بالبكاء الخافت. شعرت بأنها لا تستطيع البقاء في غرفتها.

نهضت مرةً أخرى، وهذه المرة، لم تكن متأكدةً من وجهتها. لم تكن تريد الذهاب إلى الغرفة العلوية، لكن جسدها كان يتحرك وكأنه مدفوعٌ بقوةٍ غامضة. مشت في الممر، حتى وصلت إلى الدرج المؤدي إلى الطابق السفلي.

عندما نزلت، وجدت أن إضاءة المطبخ كانت تعمل. لم يكن المطبخ مضاءً عادةً في الليل. اقتربت بحذر، وفوجئت بوالدتها جالسةً على طاولة المطبخ، وتحدق في الفراغ.

"أمّي؟ ماذا تفعلين مستيقظة؟"

رفعت "أمينة" رأسها، بدت عيناها زائغتين، وكأنهما لا تريانها. "لا أستطيع النوم يا ليلى. الأصواتُ... تزدادُ قوة."

"أي أصوات يا أمّي؟"

"أصواتٌ... تأتي من الخارج. تأتي من جهةِ السنديان. كأنها تناديني."

شعرت "ليلى" ببردٍ شديدٍ يسري في عروقها. هل كانت والدتها ترى وتسمع ما كانت هي تراه وتسمعه؟ هل كانت الأرواح التي كانت تشعر بها "ليلى" حقيقية؟

"هيا يا أمّي، سأحضرُ لكِ كوبًا من الحليب الدافئ. سيهدئكِ."

"لا يا ليلى. لا شيءَ يستطيعُ أن يهدئني. إنهم... إنهم يعرفون أنني هنا."

"من هم يا أمّي؟" سألت "ليلى" بصوتٍ مرتجف.

لم تجب "أمينة"، بل بدأت ترتجف بشكلٍ عنيف. "الشجرة... الشجرةُ تنادي."

نظرت "ليلى" إلى النافذة. كانت شجرة السنديان العتيقة تقف كشبحٍ أسود في ظلمة الليل، أغصانها الملتوية تبدو وكأنها أيادٍ مشوهة. شعرت بأنها ليست مجرد شجرة.

"تعالي يا أمّي، لنذهب إلى غرفتكِ. يجب أن ترتاحي." حاولت "ليلى" أن تسحب والدتها، لكنها كانت تقاوم.

"لا أستطيعُ أن أذهب. يجبُ أن أبقى هنا. يجبُ أن أسمع."

فجأة، سمعت "ليلى" صوتًا آخر. صوتٌ لم يكن همسًا، بل كان صراخًا مكتومًا قادمًا من خارج البيت. صراخٌ بدا وكأنه يأتي من جهة الشجرة.

"ما هذا الصوت؟" سألت "ليلى"، والخوف يتملكها.

"إنه... إنه نداءُ الروحِ الخائفة." همست "أمينة"، ثم غابت عن الوعي.

حملت "ليلى" والدتها ووضعتها على أريكة الصالة. ركضت نحو الباب الرئيسي، مدفوعةً بدافعٍ غريبٍ من الشجاعة والخوف. فتحت الباب، ووقفت على عتبة المنزل، تنظر إلى الظلام. لم يكن هناك شيءٌ سوى شجرة السنديان العملاقة، وصمتٌ مطبقٌ يخيم على المكان.

لكنها شعرت به. شعرت بوجودٍ حولها. شعرت بأن عيونًا غير مرئية تراقبها من بين أغصان الشجرة. شعرت بأن هذا البيت لم يكن مجرد بيتٍ قديم، بل كان مسرحًا لشيءٍ ما، شيءٍ مرعبٍ، شيءٍ كان يتستر في الظلام، وينتظر اللحظة المناسبة ليظهر.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%