حكايا الأرواح الخائفة

الفصل 3 — أشباح الماضي في الصور العتيقة

بقلم سامر الخفي

الفصل 3 — أشباح الماضي في الصور العتيقة

تجاوزت "ليلى" قلقها المستمر على والدتها، وبدأت تشعر بفضولٍ ينمو بداخلها، فضولٌ يقودها نحو كشف أسرار هذا البيت. كانت مقتنعةً بأن ما حدث معها، وما تعاني منه والدتها، ليس مجرد أوهام أو أعراض مرض. كانت هناك قوةٌ ما، قوى قديمة، تتلاعب بخيوط الواقع في هذا المكان.

في أحد الأيام، بينما كانت "ليلى" تبحث عن بعض المستلزمات الطبية في غرفةِ المعيشة، لاحظت صندوقًا خشبيًا قديمًا، يبدو أنه لم يُفتح منذ زمنٍ طويل. كان موضوعًا في زاويةٍ بعيدة، تحت ستارةٍ سميكة. دفعها الفضول لفتحه. كان يحتوي على مجموعةٍ من الصور الفوتوغرافية القديمة، وبعض الرسائل المكتوبة بخطٍ جميلٍ ولكنه باهت.

بدأت "ليلى" بتصفح الصور. كانت تتضمن صورًا لوالدتها وشخصٍ غريبٍ لا تعرفه، يبدو أنه كان صديقًا لوالدها. ثم وجدت صورًا لعائلتها في أوقاتٍ مختلفة، صورٌ لوالدها وهو شابٌ مبتسم، ولها هي نفسها طفلةً تلعب في حديقة البيت. لكن ما لفت انتباهها هو مجموعةٌ من الصور التي بدت أقدم، صورٌ لوالدتها وهي شابة، برفقة رجلٍ غريبٍ يرتدي ملابسَ ريفيةٍ قديمة. كان الرجل يبتسم ابتسامةً غريبة، وكأنه يخفي وراءها سرًا.

"أمّي، من هذا الرجل في الصور؟" سألت "ليلى" والدتها، التي كانت تجلس بالقرب منها، تبدو أهدأ قليلاً في ذلك اليوم.

نظرت "أمينة" إلى الصور، وتغير تعبير وجهها. بدا وكأنها عادت بالزمن إلى الوراء. "هذا... هذا كان جارنا القديم، السيد "بدر". رجلٌ طيبٌ، لكنه كان غريب الأطوار بعض الشيء."

"غريب الأطوار؟ كيف؟"

"كان يعيشُ وحيدًا في بيتٍ قريبٍ من هنا، في نهاية الوادي. كان يحبُ الطبيعةَ كثيرًا، وكان يتحدثُ إلى الأشجارِ والحيواناتِ وكأنها تفهمه. كان الناسُ في القريةِ يخشونهُ بعض الشيء، لكنني... لم أشعر بخوفٍ منه. كان لطيفًا معي."

"هل كان مهتمًا بكِ؟" سألت "ليلى" وهي تلاحظ نظرةً معينة في عيني والدتها.

احمرّ وجه "أمينة" قليلاً. "في تلك الأيام، كان والدكِ كثيرَ السفر. كنتُ أشعرُ بالوحدة. وكان السيد بدرُ يحرصُ على زيارتي بين الحينِ والآخر، يجلبُ لي بعضَ الخضرواتِ الطازجةِ من حقله، ويحادثني. كان رجلًا حكيمًا، أحيانًا."

"لكنني لم أسمع عن وجودِ جارٍ لكم اسمه "بدر"."

"لقد رحلَ السيدُ بدرُ منذ زمنٍ طويل يا ابنتي. قبلَ أن تعرفيهِ أنتِ. رحلَ في ظروفٍ غامضة."

"غامضة؟ كيف؟"

"اختفى. ذاتَ صباحٍ استيقظنا فلم نجده. بحثت عنه القريةُ كلها، لكن لم يعثروا له على أثر. قيلَ إنهُ ذهبَ إلى المدينة، وقيلَ إنهُ هاجر. لكن لم يعرف أحدٌ الحقيقة. بيتُهُ ظلَّ فارغًا منذ ذلك الحين."

شعرت "ليلى" بأن هناك شيئًا في هذه القصة لا يزال غير مكتمل. نظرت إلى صورةٍ أخرى. كانت لوالدها، يقف بجانب السيد "بدر"، وكلاهما يبدو عليهما الارتياح، وكأنهما صديقان حميمان.

"ولكن أبي كان يعرفه جيدًا. انظري، يبدوان سعيدين في هذه الصورة."

"نعم. كان والدكِ يحترمه. كانا يتحدثان كثيرًا عن الطبيعةِ وعن أسرارِ الأرض."

أخذت "ليلى" إحدى الرسائل. كانت مكتوبةً بخط يد السيد "بدر". كانت الرسالة موجهةً لوالدتها. بدأت تقرأها بصوتٍ خافت:

"يا أمينة، أتمنى أن تكوني بخير. الشمسُ اليومَ مشرقةٌ، لكن قلبيَ مثقلٌ. لقد لاحظتُ تغييرًا في الهواءِ حولَ البيتِ. هناكَ شيءٌ غيرُ مرئيٍّ ينمو، شيءٌ يتغذى على الظلامِ. حذرتُ صديقنا، لكنه لا يرى ما أراهُ. أخشى أن يلتهمَ هذا الشيءُ كلَّ شيءٍ جميلٍ. رجائي الوحيدُ هو أن تبقوا بعيدينَ عنْ الشجرةِ العتيقةِ ليلاً. إنها ليستْ كما تبدو. إنها تحملُ ذاكرةً قديمةً، وروحًا تائهةً تبحثُ عنْ خلاصٍ. أرجو أن تأخذي كلاميَ على محملِ الجد. صديقكِ المخلص، بدر."

ارتعش جسد "ليلى". "أمّي، ما معنى هذا؟ 'شيءٌ يتغذى على الظلامِ'؟ 'روحٌ تائهةٌ'؟ 'لا تقتربوا من الشجرةِ ليلاً'؟"

نظرت "أمينة" إلى الرسالة، ثم إلى "ليلى"، بوجوهٍ تحملُ كلَّ معاني الخوفِ والأسى. "السيدُ بدر... كان لديهِ حسٌّ غريبٌ بالأمور. كان يرى ما لا يراهُ الآخرون. لقد كان يحذرُ والدكِ منْ شيءٍ ما. شيءٌ يتعلقُ بالشجرةِ."

"الشجرة؟ تقصدينَ شجرةَ السنديان؟"

"نعم. إنها أقدمُ شيءٍ في هذهِ الأرضِ. تحملُ تاريخًا طويلاً. تقولُ الأساطيرُ القديمةُ إنها كانتْ مكانًا... للقاءاتٍ ليستْ أرضيةً."

"لقاءاتٍ؟ مع من؟"

"لا أعرفُ يا ابنتي. لطالما كانتْ هذهِ الأساطيرُ مجردَ حكاياتٍ. لكن... بعدَ رحيلِ السيدِ بدر، وبعدَ ما حدثَ لوالدكِ... بدأتُ أشكُّ."

"ماذا حدثَ لوالدي يا أمّي؟ لم تخبريني قطُّ بالتفاصيلِ."

"كانَ والدهُ... كانَ متعبًا في الفترةِ الأخيرةِ قبلَ وفاتهِ. كانَ دائمًا ما يجلسُ تحتَ الشجرةِ، يتحدثُ إليها. كنتُ أظنُّها مجردَ هوايةٍ. لكنهُ كانَ يبدو مهووسًا بها. وفي ليلةٍ من الليالي... وجدناهُ. ماتَ في فراشِهِ، لكنهُ كانَ شاحبًا جدًا، وكأنَّ حياتَهُ قدْ سُحبتْ منهُ. لم يفارقْ وجههُ تعبيرُ الخوفِ."

شعرت "ليلى" ببرودةٍ شديدةٍ تجتاحُ المكان. كلُّ خيوطِ اللغزِ بدأتْ تتشابكُ. والدها، السيدُ بدر، الشجرةُ العتيقةُ، والأصواتُ التي تسمعها. كلُّ هذا كانَ جزءًا من قصةٍ واحدةٍ، قصةٍ مرعبةٍ بدأتْ قبلَ زمنٍ طويل.

"هل تعتقدينَ يا أمّي أنَّ السيدَ بدرَ قدْ اختفى بسببِ الشجرةِ؟"

"لا أدري يا ليلى. لكنَّ اختفاءهُ المفاجئَ، وتزامنَهُ معَ بدايةِ مرضِ والدكِ... يثيرُ الشكوكَ."

قررت "ليلى" أن تأخذَ الصورَ والرسائلَ وتعودَ إلى غرفتها. كانتْ تشعرُ بأنَّ هذهِ الأشياءَ تحملُ مفتاحَ فهمِ ما يحدثُ. جلستْ على الأرضيةِ، وبدأتْ تتفحصُ الصورَ مرةً أخرى. في إحدى الصورِ، لاحظتْ شيئًا غريبًا. كانتْ صورةً لوالدها وهو يقفُ أمامَ مدخلِ البيتِ. خلفهُ، في الظلِّ، كانَ هناكَ شيءٌ غامضٌ. شكلٌ غيرُ واضحٍ، لكنهُ بدا وكأنَّهُ يقفُ ويراقبُ.

"أمّي، انظري إلى هذهِ الصورة. ما هذا الذي يقفُ خلفَ أبي؟"

نظرت "أمينة" إلى الصورة، واتسعتْ عيناها. "لا أرى شيئًا يا ابنتي. ربما ظلٌّ منْ ظلِ الشجرةِ."

"لكنَّهُ يبدو وكأنَّهُ يقفُ. وكأنَّ لديهِ شكلًا."

"يا ليلى، إنَّ البيوتَ القديمةَ مليئةٌ بالظلالِ والأوهامِ. لا تجعلي عقلكِ يذهبُ بعيدًا."

في تلكَ الليلةِ، كانَ النومُ بعيدًا عنْ عيني "ليلى". كانتْ تتأملُ في الصورِ والرسائلِ. بدأتْ تفهمُ أنَّ هذا البيتَ ليسَ مجردَ بيتٍ. إنَّهُ مكانٌ يحتفظُ بأسرارٍ مظلمةٍ. وأشباحُ الماضي لمْ تمتْ، بلْ هيَ ما زالتْ تحومُ في الأرجاءِ، تنتظرُ منْ يوقظها.

عندما سمعتْ تلكَ الأصواتَ المألوفةَ، الأصواتَ التي بدأتْ تتسللُ إلى حياتها منذُ وصولها، لمْ تشعرْ بالخوفِ بنفسِ القدرِ. بلْ شعرتْ بنوعٍ منْ التحدي. إنَّها تعرفُ الآنَ أنَّ هناكَ شيئًا، وأنَّ والدها كانَ يعلمُ، وأنَّ السيدَ بدرَ قدْ حاولَ التحذيرَ.

وقفتْ "ليلى" وارتدتْ ملابسَ خفيفةً. فتحتْ بابَ غرفتها، وتوجهتْ نحو الدرجِ. هذهِ المرةِ، لمْ تكنْ مجردَ ضحيةٍ للخوفِ. كانتْ تبحثُ عنْ إجاباتٍ. إجاباتٍ مدفونةٍ في ظلالِ بيتِ السنديانِ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%