حكايا الأرواح الخائفة
الفصل 4 — نبضُ الشجرةِ وصرخاتُ الظلام
بقلم سامر الخفي
الفصل 4 — نبضُ الشجرةِ وصرخاتُ الظلام
لمْ تستطعْ "ليلى" الانتظارَ حتى الصباحِ. الأصواتُ التي سمعتها الليلةَ الماضيةَ كانتْ مختلفةً. لمْ تكنْ مجردَ همساتٍ أو أنفاسٍ. كانتْ تبدو وكأنها استغاثةٌ، أو ربما تحذيرٌ أخيرٌ. كانتْ تستمعُ إلى صوتٍ يشبهُ ضرباتِ قلبٍ بطيءٍ وعميقٍ، يأتي منْ الخارجِ، منْ جهةِ شجرةِ السنديانِ.
تسللتْ "ليلى" إلى الخارجِ، عبرَ البابِ الخلفيِّ. الهواءُ كانَ باردًا، والرطوبةُ تغلغلتْ في ملابسها. كانتْ السماءُ ملبدةً بالغيومِ، تحجبُ القمرَ، وتزيدُ الظلامَ عمقًا. توجَّهتْ نحو الشجرةِ، وكلُّ خطوةٍ كانتْ تزيدُ منْ الشعورِ بالرهبةِ.
عندما اقتربتْ منْ الشجرةِ، شعرتْ بذبذباتٍ قويةٍ تهتزُّ عبرَ الأرضِ. كانتْ تلكَ الضرباتُ القلبيةُ أقربَ الآنَ، تبدو وكأنها تصدرُ منْ قلبِ الشجرةِ نفسها. الأغصانُ الملتويةُ كانتْ تبدو وكأنها تتحركُ في حركةٍ بطيئةٍ، وكأنها أذرعٌ عملاقةٌ تتلوى في ألمٍ.
"ما هذا؟" همستْ "ليلى" لنفسها.
فجأةً، سمعتْ صوتًا آخرَ، صوتًا كانَ مختلفًا عنْ كلِّ ما سمعتهُ سابقًا. صوتٌ عميقٌ، فيهِ نبرةُ ألمٍ وحزنٍ لا يوصفانِ. بدا وكأنَّهُ قادمٌ منْ أعماقِ الأرضِ.
"ساعديني... أنقذيني..."
تجمدتْ "ليلى" في مكانها. لمْ تكنْ متأكدةً مما إذا كانتْ تسمعُ الصوتَ بأذنيها، أمْ بقلبها. بدا الصوتُ وكأنَّهُ يترددُ في داخلِ رأسها.
"منْ أنتَ؟" صرختْ "ليلى" في الظلامِ، صوتها ضعيفٌ ومُرتعشٌ.
لمْ تأتِ إجابةٌ، بلْ ازدادتْ ضرباتُ القلبِ قوةً، وصوتُ الأنينِ تعاظمَ. بدأتْ "ليلى" تشعرُ بدوارٍ شديدٍ. نظرتْ إلى جذعِ الشجرةِ الضخمِ. بدا وكأنَّهُ يتنفسُ.
"أنتِ... أنتِ هنا... أخيرًا."
هذهِ المرةِ، كانَ الصوتُ أوضحَ، وأكثرَ تحديدًا. بدا وكأنَّهُ قادمٌ منْ أعلى الشجرةِ. رفعتْ "ليلى" رأسها، وحاولتْ أنْ ترى عبرَ الظلامِ. لمْ ترَ شيئًا سوى الأغصانِ المتشابكةِ.
"منْ تتحدثُ؟"
"أنا... الروحُ العالقةُ... في هذهِ الأرضِ. أنا... الروحُ التي نادتْكِ."
شعرتْ "ليلى" ببردٍ لا يُحتملُ، رغمَ أنَّ الجوَّ لمْ يكنْ شديدَ البرودةِ. بدأتْ تشعرُ بأنَّ قواها تخورُ.
"لماذا أنا؟ لماذا تناديني؟"
"لأنكِ... ابنةُ الهاشميِّ. لأنَّ والدكِ... حاولَ. لكنهُ لمْ يستطعْ. والآنَ... أنتِ الوحيدةُ التي يمكنُ أنْ تسمعي."
"ماذا يجبُ أنْ أفعلَ؟" سألتْ "ليلى"، وكلُّ ذرةٍ في جسدها كانتْ تتشبثُ بالأملِ في إيقافِ هذا الرعبِ.
"يجبُ أنْ تحرري... الروحَ. يجبُ أنْ تكسري... اللعنةَ. إنها... تتغذى على الخوفِ... وتزدادُ قوةً."
"كيفَ أحررُها؟"
"يجبُ أنْ تجدي... ما يربطُها بهذهِ الأرضِ. يجبُ أنْ تجدي... مصدرَ الألمِ."
في تلكَ اللحظةِ، سمعتْ "ليلى" صوتَ والدتها يناديها منْ بعيدٍ. "ليلى! ليلى! أينَ أنتِ؟"
استيقظتْ "ليلى" منْ حالةِ الذهولِ. نظرتْ حولها، فوجدتْ نفسها قدْ عادتْ إلى عتبةِ المنزلِ. كانتْ يدها لا تزالُ ممدودةً نحو الشجرةِ. هلْ كانَ كلُّ هذا حلمًا؟
ركضتْ نحو والدتها التي كانتْ واقفةً على البابِ، تبدو قلقةً. "أمّي! ماذا تفعلينَ بالخارجِ؟"
"كنتُ أبحثُ عنكِ يا ابنتي. كنتُ أسمعُ صوتكِ... كأنكِ تتحدثينَ إلى أحدٍ."
نظرتْ "ليلى" إلى الشجرةِ، ثمَّ إلى والدتها. لمْ تعدْ متأكدةً منْ شيءٍ. هلْ كانتْ تلكَ الروحُ تتحدثُ إليها حقًا؟ أمْ أنَّها مجردُ تأثيراتٍ نفسيةٍ بسببِ قلقها على والدتها، والجوِّ المشحونِ في البيتِ؟
"لا شيءَ يا أمّي. كنتُ فقطْ... أستمعُ إلى أصواتِ الليلِ."
"هذهِ الأصواتُ يا ليلى... بدأتْ تقلقني. لمْ أعدْ أحتملُها. يجبُ أنْ نرحلَ منْ هنا."
"إلى أينَ يا أمّي؟ هذا بيتُنا."
"بيتُنا... أصبحَ مكانًا للموتِ والخوفِ. والدكِ... السيدُ بدر... كلُّ شيءٍ هنا مربوطٌ بهذهِ الشجرةِ. إذا لمْ نرحلْ، فإنَّ الظلامَ سوفَ يبتلعنا."
شعرتْ "ليلى" بصدقِ كلماتِ والدتها. كانتْ تدركُ أنَّ هناكَ خطرًا حقيقيًا. لكنَّها لمْ تستطعْ الرحيلَ دونَ أنْ تعرفَ الحقيقةَ. دونَ أنْ تفهمَ ما الذي يربطُ هذهِ الروحَ المظلمةَ بالشجرةِ، وبوالدها.
عادتْ "ليلى" إلى غرفتها، وأمسكتْ بالرسائلِ والصورِ. بدأتْ تقلبُ فيها بعنايةٍ، تبحثُ عنْ أيِّ دليلٍ، عنْ أيِّ مفتاحٍ. لفتتْ انتباهها صورةٌ أخرى، صورةٌ قديمةٌ جدًا، يبدو أنها لوالدةِ والدها، جدتها. كانتْ تقفُ بجانبِ شجرةِ السنديانِ، لكنَّ وجهها كانَ مغطىً بظلٍّ كثيفٍ، لا يمكنُ رؤيتهُ بوضوحٍ.
"أمّي، هلْ تعرفينَ هذهِ الصورةَ؟"
نظرتْ "أمينة" إلى الصورةِ. تنهدتْ بعمقٍ. "نعم. هذهِ جدتُكِ. والدةُ أبيكِ. كانتْ تحبُ الجلوسَ تحتَ الشجرةِ. تقولُ إنها تشعرُ فيها بالسلامِ."
"لكنَّ وجهها مغطىً. ولماذا تبدو وكأنها... متعبةٌ جدًا؟"
"كانتْ تمرُّ بفترةٍ عصيبةٍ في حياتها. فقدتْ زوجها مبكرًا، وعانتْ منْ مرضٍ غريبٍ. ربما لهذا السببِ."
"مرضٌ غريبٌ؟ مثلَ مرضي الآن؟"
"لا أعرفُ يا ابنتي. لكنَّ الأمرَ كانَ معقدًا. الأطباءُ لمْ يستطيعوا تشخيصَهُ. ماتتْ وهيَ شابةٌ."
أحستْ "ليلى" بأنَّ هذهِ هيَ القطعةُ المفقودةُ. جدتها، التي توفيتْ مبكرًا، والتي كانتْ تحبُ الجلوسَ تحتَ الشجرةِ. ربما كانتْ هيَ الروحُ العالقةُ. ربما ماتتْ وهيَ تحملُ حزنًا أو ألمًا لمْ يُشفَ.
"أمّي، أعتقدُ أنَّ الروحَ التي تحدثتْ إليَّ هيَ جدتي. أعتقدُ أنَّها تحتجزُ هنا بسببِ شيءٍ ما."
نظرتْ "أمينة" إلى ابنتها بدهشةٍ، ثمَّ ببدءِ تصديقٍ. "كيفَ عرفتِ؟"
"لقدْ تحدثتْ إليَّ. طلبتْ مني أنْ أحررَها. وأنْ أجدَ ما يربطُها بالأرضِ. مصدرَ الألمِ."
"مصدرُ الألمِ..." تكررتْ "أمينة" بصوتٍ مرتجفٍ. "ربما... ربما كانَ شيئًا قدْ حدثَ لها. شيئًا لمْ يُدفنْ معها."
بدأتْ "ليلى" تتذكرُ كلامَ السيدِ بدرٍ في رسالتِهِ: "إنها تحملُ ذاكرةً قديمةً، وروحًا تائهةً تبحثُ عنْ خلاصٍ."
"يجبُ أنْ نعرفَ ما هوَ هذا الشيءُ. يجبُ أنْ نجدَهُ."
لمْ تعدْ "ليلى" تخافُ. خوفُها قدْ تحوَّلَ إلى عزمٍ. عزمٍ على كشفِ الحقيقةِ، وعلى مساعدةِ تلكَ الروحِ، وربما على إنقاذِ نفسها ووالدتها منْ هذا الكابوسِ.