حكايا الأرواح الخائفة

الفصل 5 — الصندوقُ المدفونُ تحتَ الشجرة

بقلم سامر الخفي

الفصل 5 — الصندوقُ المدفونُ تحتَ الشجرة

في صباحِ اليومِ التالي، استيقظتْ "ليلى" وعزمُها يزدادُ قوةً. لمْ تعدْ تلكَ الفتاةَ التي أتتْ إلى بيتِ السنديانِ خائفةً ومترددةً. لقدْ أصبحتْ مقاتلةً، مدفوعةً بقوةِ حبها لوالدتها، ورغبتها في كشفِ الحقيقةِ.

"أمّي، اليومَ سنجدُ ما نبحثُ عنهُ." قالتْ "ليلى" لوالدتها، وهيَ ترتدي ملابسَ قديمةً ومريحةً، وتجهزُ بعضَ الأدواتِ.

نظرتْ إليها "أمينة" بعينينِ تحملانِ مزيجًا منْ الخوفِ والأملِ. "ماذا ستفعلينَ يا ابنتي؟"

"سأذهبُ إلى الشجرةِ. أعتقدُ أنَّ ما تبحثُ عنهُ الروحُ مدفونٌ هناكَ. ربما شيءٌ يخصُّ جدتي."

"لكنَّهُ خطرٌ يا ليلى. أنتِ لا تعرفينَ ماذا ستجدينَ."

"أعرفُ أنَّهُ خطرٌ، لكنَّ البقاءَ هنا وعدمَ فعلِ شيءٍ هوَ الخطرُ الأكبرُ. يجبُ أنْ نواجهَ هذا الأمرَ."

بعدَ إصرارٍ منْ "ليلى"، وافقتْ "أمينة" على مضضٍ، لكنها طلبتْ منها أنْ تأخذَ معها بعضَ الأدواتِ التي قدْ تكونُ مفيدةً، وأنْ تكونَ حذرةً للغايةِ.

توجَّهتْ "ليلى" إلى الشجرةِ العتيقةِ. هذهِ المرةِ، لمْ تكنْ وحدها. كانتْ تحملُ معها مجرفةً صغيرةً، وبعضَ الأقمشةِ القديمةِ، وعلبةَ إسعافاتٍ أوليةٍ. الهواءُ كانَ هادئًا، والشمسُ بدأتْ ترسلُ أشعتها الذهبيةَ عبرَ الأغصانِ، وكأنها تباركُ مهمتها.

وقفتْ "ليلى" أمامَ جذعِ الشجرةِ الضخمِ، وتفحصتِ الأرضَ حولهُ. بدأتْ تشعرُ بدفءٍ خفيفٍ ينبعثُ منْ التربةِ، وكأنَّ الشجرةَ نفسها تبعثُ طاقةً. بدأتْ تبحثُ عنْ أيِّ علامةٍ، عنْ أيِّ شيءٍ غيرِ طبيعيٍّ.

بعدَ دقائقَ منْ البحثِ، لاحظتْ "ليلى" شيئًا غريبًا. قربَ أحدِ الجذورِ البارزةِ، بدتِ التربةُ وكأنها قدْ حُفِرتْ وأُعيدَ ردمُها في وقتٍ لاحقٍ. كانَ لونُ التربةِ مختلفًا قليلاً عنْ بقيةِ المكانِ.

"هلْ هذا هوَ؟" همستْ "ليلى".

بدأتْ بالحفرِ بجدٍّ. الأرضُ كانتْ قاسيةً، والجذورُ كانتْ تعيقُ عملها. لكنَّها استمرتْ، مدفوعةً بإحساسٍ قويٍّ بأنَّها على وشكِ اكتشافِ شيءٍ مهمٍّ.

بعدَ حوالي نصفِ ساعةٍ منْ الحفرِ، اصطدمتِ المجرفةُ بشيءٍ صلبٍ. صوتٌ مكتومٌ، لكنَّهُ صوتُ ما هوَ أعمقُ منْ مجردِ حجرٍ.

"وجدتها!" صرختْ "ليلى"، شعورٌ بالفرحِ والترقبِ يملأها.

واصلتْ الحفرَ بحذرٍ أكبرَ، وكشفتْ عنْ صندوقٍ خشبيٍّ قديمٍ، يبدو عليهِ الصدأُ والتآكلُ. كانَ الصندوقُ صغيرًا نسبيًا، لكنَّهُ بدا ثقيلاً.

نظرتْ "ليلى" حولها. لمْ يكنْ هناكَ أحدٌ. كانَ البيتُ يبدو هادئًا، وكأنَّهُ يراقبُ بصمتٍ. رفعتْ الصندوقَ منْ الحفرةِ، ووضعتْهُ على العشبِ. كانَ مغلقًا بإحكامٍ.

"كيفَ سأفتحهُ؟" تساءلتْ "ليلى".

بعدَ تفكيرٍ قليلٍ، استخدمتْ طرفَ المجرفةِ كمفتاحٍ، وحاولتْ فتحَ الصندوقِ. بعدَ بعضِ الجهدِ، انفتحَ الغطاءُ بصوتِ صريرٍ مؤلمٍ.

ما وجدتهُ بداخلِ الصندوقِ جعلَ قلبَ "ليلى" يخفقُ بعنفٍ. لمْ يكنْ مجردَ أشياءَ قديمةٍ. كانَ هناكَ مجموعةٌ منْ الرسائلِ المربوطةِ بشريطٍ قماشيٍّ بالٍ، وبعضُ المجوهراتِ البسيطةِ، وخاتمٌ فضيٌّ صغيرٌ، و... منديلٌ مطرزٌ بعنايةٍ، يبدو أنَّهُ يحملُ رائحةَ عطرٍ خافتٍ، رائحةٌ مألوفةٌ جدًا، رائحةُ الياسمينِ.

تذكرتْ "ليلى" رائحةَ الياسمينِ التي كانتْ تشعرُ بها في الغرفةِ العلويةِ. تذكرتْ جدتها.

أخذتْ الرسائلَ، وبدأتْ تقرأُها. كانتْ مكتوبةً بخطِ يدِ جدتها. كانتْ رسائلَ حبٍّ، ولكنها كانتْ تحملُ أيضًا حزنًا عميقًا. كانتْ تتحدثُ عنْ حبٍّ ممنوعٍ، عنْ علاقةٍ سريةٍ معَ رجلٍ لمْ يكنْ والدَ جدتها. تحدثتْ عنْ حملها منهُ، وعنْ خوفها منْ ردةِ فعلِ عائلتها.

"أمّي!" صرختْ "ليلى" منْ بعيدٍ، وهيَ تحملُ الصندوقَ والرسائلَ. "لقدْ وجدتها! وجدتُها!"

جاءتْ "أمينة" بسرعةٍ، ورأتِ الصندوقَ والمحتوياتِ. بدأتْ تقرأُ الرسائلَ، ووجهها يعكسُ مزيجًا منْ المفاجأةِ، والشفقةِ، والفهمِ.

"إذًا... جدتُكِ... لمْ تكنْ متزوجةً منْ أبيكِ عندما حملتْ. لقدْ أحبتْ رجلًا آخرَ. ورُبما... لمْ تستطعْ أنْ تتقبلَ الأمرَ، أو أنْ تتجاوزَ حزنَها."

"وهذا هوَ مصدرُ الألمِ يا أمّي. هذا هوَ الشيءُ الذي يربطُها بهذهِ الأرضِ. هذا الحبُّ المكبوتُ، والحزنُ الذي لمْ يُشْفَ."

أمسكتْ "ليلى" بالخاتمِ الفضيِّ. كانَ بسيطًا، لكنَّهُ يحملُ نقوشًا جميلةً. "هذا هوَ الخاتمُ الذي أعطاهُ لها حبيبُها. لقدْ دفنتهُ هنا معَ رسائلِ الحبِّ، وربما... معَ قلبها المكسورِ."

عندما انتهتْ "أمينة" منْ قراءةِ الرسائلِ، رفعتْ عينيها إلى "ليلى"، وكانَ فيهما دمعتانِ. "مسكينةٌ. لقدْ عانتْ كثيرًا. لمْ يسمحْ لها أحدٌ بأنْ تحبَّ بحريةٍ. ولمْ تجدْ منْ يفهمُها."

"والآنَ، أعتقدُ أنَّها مستعدةٌ للرحيلِ. أعتقدُ أنَّها وجدتْ خلاصَها."

فجأةً، شعرتْ "ليلى" بهدوءٍ غريبٍ يلفُّ المكانَ. لمْ تعدْ هناكَ ضرباتٌ قلبيةٌ، ولا أصواتُ أنينٍ. فقطْ صوتُ الرياحِ العابرةِ بينَ أغصانِ السنديانِ، وصوتُ تغريدِ الطيورِ الذي عادَ ليملأَ المكانَ.

نظرتْ "ليلى" إلى الشجرةِ. بدا جذعُها وكأنَّهُ أقلَّ قتامةً، وأكثرَ حياةً. بدا وكأنَّ روحَها قدْ تحررتْ.

"لقدْ فعلناها يا أمّي." قالتْ "ليلى"، وشعورٌ بالراحةِ والطمأنينةِ يغمرها.

"نعم يا ابنتي. لقدْ فعلناها. لقدْ حررنا روحًا عانتْ طويلًا."

عادتْ "ليلى" و"أمينة" إلى البيتِ، وتركتَا الصندوقَ فارغًا تحتَ الشجرةِ، كذكرى لقصةٍ قديمةٍ، وقصةٍ جديدةٍ بدأتْ بالظهورِ. شعرتا بأنَّ ثقلًا كبيرًا قدْ أُزيحَ عنْ كاهلهما. لمْ تعدْ هناكَ ظلالٌ مخيفةٌ، ولا أصواتٌ غريبةٌ. فقطْ نورُ الشمسِ الذي يملأُ أرجاءَ البيتِ، وصوتُ الحياةِ الذي عادَ ليترددَ فيهِ.

منذُ ذلكَ اليومِ، بدأتْ "أمينة" تتعافى تدريجيًا. عادتْ إليها قوتُها، وعادتْ عيناها لتبرقا بالحياةِ. وشعرتْ "ليلى" بأنَّها قدْ وجدتْ مكانَها الحقيقيَّ، ليسَ فقطْ في هذا البيتِ، بلْ في قلبِ عائلتها. لقدْ واجهتِ الأرواحَ الخائفةَ، ولمْ تهزمْها، بلْ فهمتها، وساعدتها على إيجادِ السلامِ. بيتُ السنديانِ لمْ يعدْ مكانًا للرعبِ، بلْ أصبحَ مكانًا للأملِ، وللحكاياتِ التي تُروى بصوتٍ هادئٍ، صوتِ الأرواحِ التي وجدتْ طريقَها إلى النورِ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%