حكايا الأرواح الخائفة

الفصل 8 — الزائرُ في منتصفِ الليل

بقلم سامر الخفي

الفصل 8 — الزائرُ في منتصفِ الليل

اشتعلَ الليلُ بالهدوءِ المخيف، والهواءُ كانَ يحملُ برودةً تفوقُ برودةَ الجو. كنتُ جالسًا في غرفتي، والضوءُ الخافتُ من المصباحِ يلقي بظلالٍ طويلةٍ على الجدران، ترقصُ مع كلِّ نسمةِ هواءٍ تتسللُ من تحتِ الباب. الأوراقُ القديمةُ والرسائلُ التي وجدتها في "المحراب" كانتْ مبعثرةً أمامي، كخيوطٍ متشابكةٍ من حكايةٍ أقدمَ من ذاكرتي.

كلما تعمقتُ في قراءةِ تلكَ الكلماتِ القديمة، شعرتُ بأنني أقربَ إلى فهمِ الأسبابِ الحقيقيةِ وراءَ ما يحدث. لم تكنْ مجردَ أشباحٍ تسكنُ البيت، بل كانتْ هناكَ قصةٌ أعمق، قصةُ عهدٍ قديمٍ، لعنةٍ تنتقلُ عبرَ الأجيال. ورغمَ الخوفِ الذي كانَ يعتصرُ قلبي، إلا أنَّ هناكَ شعورًا بالمسؤوليةِ بدأَ ينمو بداخلي، مسؤوليةٌ تجاهَ هذهِ العائلة، تجاهَ هذهِ الحكاية.

في منتصفِ الليلِ تقريبًا، سمعتُ صوتَ خطواتٍ خفيفةٍ على الدرج. في البداية، اعتقدتُ أنها مجردُ أصواتٍ تصدرُ عن البيتِ القديم، فأصواتُه دائمًا ما تكونُ غريبةً في سكونِ الليل. لكنَّ الصوتَ كانَ منتظمًا، وهادئًا بشكلٍ يثيرُ القلق. بدا وكأنه شخصٌ يتحركُ بحذرٍ، وكأنه لا يريدُ أنْ يُسمع.

نهضتُ من مكاني، وأصغيتُ بانتباه. توقفتِ الخطواتُ أمامَ بابِ غرفتي. حبستُ أنفاسي، وشعرتُ بقلبي يدقُّ بعنفٍ في صدري. من قدْ يكونُ في هذا الوقتِ المتأخر؟ جدتي كانتْ نائمةً، وأمي كانتْ في منزلِ أختها. هل هوَ لص؟ أم أنَّ شيئًا آخرَ قدْ جاءَ إليَّ؟

لم يمرْ وقتٌ طويلٌ قبلَ أنْ أسمعَ صوتَ نقرٍ خفيفٍ على الباب. نقرةٌ واحدة، ثمَّ صمت. انتظرْتُ لحظةً، ثمَّ نقرتُ مرةً أخرى، بنفسِ الإيقاعِ الهادئ. كانَ الأمرُ غريبًا، غيرَ طبيعي.

بجرأةٍ لم أكنْ أعرفُ أنني أملكها، اقتربتُ من الباب، ووضعتُ أذني عليه. سمعتُ صوتَ همسٍ خفيضٍ، كأنَّ أحدهم يتحدثُ بصوتٍ منخفضٍ جدًا. لم أستطعْ تمييزَ الكلمات، لكنَّ النبرةَ كانتْ تحملُ نوعًا من الإلحاح.

"منْ هناك؟" سألتُ بصوتٍ مرتعشٍ قليلاً.

لم يكنْ هناكَ ردٌ فوري. فقط، صوتُ الهمسِ المستمر. ثمَّ، سمعتُ صوتَ مفتاحٍ يدخلُ في القفل.تجمدتُ في مكاني. كيفَ يملكُ أحدٌ مفتاحَ غرفتي؟

انفتحَ البابُ ببطءٍ شديد، وكشفَ عن ظلٍّ طويلٍ يقفُ في المدخل. كانَ طولُه يشبهُ طولَ رجلٍ بالغ. لكنَّ الظلامَ كانَ كثيفًا، ولم أستطعْ تمييزَ ملامحَ وجههِ.

"منْ أنت؟" سألتُ مرةً أخرى، وصوتي الآنَ يحملُ نبرةَ خوفٍ واضحة.

رفعَ الزائرُ يدهُ اليمنى، ورفعَ معها شيئًا يلمعُ في ضوءِ المصباحِ الخافت. كانَ شيئًا غريبًا، أشبهَ بعصا منحوتةٍ، مزينةٍ برموزٍ لم أرها من قبل.

"لا تخف،" قالَ الزائرُ بصوتٍ عميقٍ وهادئ، صوتٌ بدا مألوفًا بشكلٍ غريب، كأنني سمعتهُ في أحلامي. "أنا هنا لمساعدتك."

"مساعدتي؟" تساءلتُ بسخريةٍ مريرة. "كيفَ ستساعدني؟ هل أنتَ ممنْ أرسلوا هذهِ الأشياء؟"

ابتسمَ الزائرُ ابتسامةً خفيفةً لم ترَها عيناي، لكنني شعرتُ بها. "الأمورُ ليستْ دائمًا كما تبدو. أنتَ تحملُ عبئًا ثقيلًا، عبئًا ورثتهُ عن أسلافك. إنَّ هذهِ اللعنةَ قدْيمةٌ، وأنا هنا لأساعدك في كسرِها."

"وكيفَ تعرفُ عن اللعنة؟" سألتُ، وبدأتُ أشكُّ في نواياه.

"لقدْ رأيتُ ما رأيتَ، وشعرتُ بما شعرتَ. أنا أعرفُ هذهِ الحكايةَ جيدًا. لقدْ عشتُ جزءًا منها، وأعرفُ ما يجبُ فعله."

ترددتُ قليلاً. هل أثقُ بهذا الغريبِ الذي اقتحمَ غرفتي في منتصفِ الليل؟ لكنَّ نبرةَ صوتهِ، وهدوءهُ، كانتْ تبعثُ على شيءٍ من الطمأنينة. كانَ يبدو وكأنه يفهمُ ما أمرُّ به.

"ماذا تريدُ مني؟" سألتُ.

"أريدُ منك أنْ تكونَ شجاعًا. أنْ تواجهَ ماضيك. أنْ تبحثَ عن الحقيقةِ. إنَّ الصندوقَ الذي وجدتهُ، والشجرةَ التي تقفُ في الحديقة، هما مفتاحُ كلِّ شيء."

"لقدْ بحثتُ بالفعل،" قلتُ، وأشرتُ إلى الأوراقِ على الطاولة. "ولكنني ما زلتُ لا أفهمُ كلَّ شيء."

"الفهمُ يأتي معَ الوقتِ والتجربة،" قالَ. "لكنَّ أولَ خطوةٍ هيَ أنْ تتوقفَ عن الخوف. وأنْ تبدأَ في استعادةِ ما سُلبَ منك."

"ما الذي سُلبَ مني؟"

"سلامُ روحك، وراحةُ عائلتك. إنَّ هذهِ اللعنةَ لمْ تأتِ من العدم. لقدْ كانتْ هناكَ أسبابٌ، وعواقب."

أمضى الزائرُ وقتًا طويلاً يتحدثُ معي، لم يذكرْ اسمهُ قط، لكنه روى لي تفاصيلَ من تاريخِ العائلة، تفاصيلَ لم أكنْ أعرفها، تفاصيلَ كانتْ مرتبطةً بحدثٍ أليمٍ وقعَ قبلَ سنواتٍ طويلة. كانَ يتحدثُ عن رجلٍ مظلوم، عن وعدٍ تمَّ كسره، وعن رغبةٍ في الانتقامِ استمرتْ عبرَ الزمن.

عندما انتهى من حديثهِ، شعرتُ بأنني قدْ فهمتُ جزءًا كبيرًا مما يجري. لم تكنْ مجردَ لعنةٍ عشوائية، بل كانتْ هناكَ حكايةُ ظلمٍ وانتقامٍ.

"وماذا عن الشجرة؟" سألتُ. "ما علاقتها بكلِّ هذا؟"

"الشجرةُ هيَ الشاهدُ الصامت،" قالَ. "وهيَ أيضًا مخزنُ القوة. ولكنَّ قوتها يمكنُ أنْ تكونَ سلاحًا ذا حدين. يجبُ أنْ تعرفَ كيفَ تتعاملَ معها."

قبلَ أنْ يرحل، أعطاني شيئًا. كانتْ قطعةً صغيرةً من حجرٍ أسودَ، منقوشةً برموزٍ مشابهةٍ لتلكَ التي رأيتها في الصندوقِ الخشبي. "هذهِ ستكونُ لكَ حماية،" قالَ. "ولكنَّ الحمايةَ الحقيقيةَ تأتي من داخلك."

اختفى الزائرُ بنفسِ الغموضِ الذي جاءَ به. لم أسمعْ صوتَ خطواتهِ وهوَ يرحل. عندما ذهبتُ إلى الباب، وجدتهُ مغلقًا، وكأنَّ شيئًا لم يحدث. لكنَّ قطعةَ الحجرِ كانتْ في يدي، ودليلٌ على أنَّ ما حدثَ لم يكنْ مجردَ حلم.

في تلكَ الليلة، لم أعدْ أشعرُ بالوحدة. شعرتُ بأنني لستُ وحدي في هذا الصراع. وأنَّ هناكَ منْ يريدُ مساعدتي، منْ يعرفُ الحقيقة. ولكنَّ الأسئلةَ لم تنتهِ. منْ هوَ هذا الزائر؟ ولماذا اختارني أنا بالذات؟ وما هوَ هذا العهدُ القديمُ الذي يتحدثُ عنه الجميع؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%