حكايا الأرواح الخائفة
الفصل 9 — شظاياُ الحقيقةِ المتناثرة
بقلم سامر الخفي
الفصل 9 — شظاياُ الحقيقةِ المتناثرة
معَ بزوغِ خيوطِ الفجرِ الأولى، استيقظتُ من سباتٍ متقطع، لم يكنْ مليئًا بالراحة، بل كانَ مزيجًا من الكوابيسِ والأحلامِ الغريبة. قطعةُ الحجرِ الأسودِ التي أعطاني إياها الزائرُ الغامضُ كانتْ لا تزالُ في يدي، باردةً وثقيلةً، كأنها تحملُ وزنَ كلِّ الأسرارِ التي وعدَ بكشفها.
لم أكنْ متأكدًا من هويةِ هذا الزائر، لكنَّ كلماته، ووجودهُ في غرفتي في منتصفِ الليل، تركا أثرًا عميقًا في نفسي. لم تعدْ الأمورُ مجردَ خوفٍ من المجهول، بل بدأتْ تتضحُ معالمُ قصةٍ أقدمَ من الزمن، قصةٌ نسجتها الأجيال، وحملتها الأرواحُ الخائفة.
بعدَ تناولِ وجبةِ إفطارٍ خفيفة، جلستُ مرةً أخرى معَ الأوراقِ والصورِ التي وجدتها في "المحراب". بدأتُ أتفحصُ كلَّ تفصيلٍ بدقةٍ متناهية، محاولًا ربطَ شظايا الحقيقةِ المتناثرة. الرسالةُ التي كتبتها جدتي لوالدتي كانتْ تحملُ عباراتٍ مشفرةً، تتحدثُ عن "الظلِّ" و"العهدِ القديم" و"الشجرةِ الشاهدة".
أخذتُ إحدى الصورِ القديمة، صورةُ جدتي وهيَ شابةٌ تقفُ بجانبِ الرجلِ الغريب. كانَ الرجلُ يبدو حزينًا، وعيناهُ تحملانَ نظرةً عميقةً من الألم. منْ كانَ هذا الرجل؟ ولماذا كانَ يبدو كذلك؟ حاولتُ تذكرَ أيِّ حكايةٍ قديمةٍ سمعتها عن هذا الرجل، لكنَّ ذاكرتي لم تسعفني.
ثمَّ بدأتُ أتفحصُ الرسومَ الغريبة، تلكَ الرموزِ التي بدتْ وكأنها لغةٌ قديمة. بدأتُ أشكُّ في أنها قدْ تكونُ جزءًا من طقوسٍ قديمة، أو رموزًا سحريةً تستخدمُ لاستدعاءِ أو إبعادِ قوى معينة.
في هذهِ الأثناء، لاحظتُ شيئًا غريبًا في إحدى الصفحاتِ القديمة. كانتْ هناكَ كتابةٌ خفية، بالكادِ تُرى، مخفيةٌ تحتَ كلماتٍ أخرى. استخدمتُ ضوءَ المصباحِ لمحاولةِ قراءتها، وبدأتْ الكلماتُ تظهرُ ببطء. كانتْ عبارةً قصيرةً، تقول: "عندما تتكلمُ الشجرةُ، استمعْ للريح."
"عندما تتكلمُ الشجرةُ، استمعْ للريح." كررتُ العبارةَ لنفسي. ماذا يعني ذلك؟ هل كانتْ الشجرةُ حقًا تتكلم؟ هل كانتْ تتواصلُ معَ الريح؟
دفعتني هذهِ العبارةُ إلى الخارج، نحو الشجرةِ العتيقة. كانَ الجوُّ هادئًا، لكنَّ الأشجارَ بدأتْ تهتزُّ بلطفٍ، وكأنها تستجيبُ لرياحٍ خفية. وقفتُ تحتَ أغصانها، ورفعتُ رأسي. بدتْ الشجرةُ أكبرَ وأكثرَ غموضًا من أيِّ وقتٍ مضى.
أغمضتُ عيني، وحاولتُ التركيز. سمعتُ صوتَ حفيفِ الأوراقِ، وصوتَ الريحِ التي تمرُّ عبرَ الأغصان. بدأتُ أرى صورًا في ذهني، صورًا من الماضي، صورًا لجدتي، وللرجلِ الغريب، ولأحداثٍ لم أشهدها.
في إحدى الصورِ الذهنية، رأيتُ الرجلَ الغريبَ يقفُ أمامَ الشجرةِ، يضعُ شيئًا في جذورها. كانَ شيئًا صغيرًا، يشبهُ الصندوقَ المعدنيَّ الذي وجدتهُ. ثمَّ رأيتُ جدتي تأتي، وتدفنُ شيئًا آخرَ في الأرضِ بالقربِ من الشجرة.
هل كانَ ما دفنتهُ جدتي هوَ الصندوقُ المعدنيُّ الذي وجدتهُ؟ وهل كانَ الرجلُ الغريبُ هوَ منْ تركَ شيئًا آخرَ هناك؟
شعرتُ بنبضٍ خفيفٍ في الأرضِ تحتَ قدمي. لم يكنْ نبضًا عاديًا، بل كانَ نبضًا إيقاعيًا، كأنه صوتُ قلبٍ عملاقٍ ينبضُ تحتَ التراب.
"الشجرةُ تتكلم،" همستُ لنفسي. "والريحُ تحملُ كلماتها."
أدركتُ وقتها أنَّ الشجرةَ ليستْ مجردَ شجرة، بل هيَ حارسُ أسرار، وشاهدٌ على ما حدث. وأنَّ هذهِ الأسرارَ مدفونةٌ في جذورها، ومتغلغلةٌ في ترابها.
عدتُ إلى الداخل، وعقلي مشغولٌ بالعديدِ من الأفكار. لم أعدْ أخشى ما يحدث، بل أصبحتُ مدفوعًا بالرغبةِ في كشفِ الحقيقةِ الكاملة. أخذتُ قلمًا وورقة، وبدأتُ أسجلُ كلَّ ما أتذكره، كلَّ ما أراه، كلَّ ما أشعرُ به.
حاولتُ البحثَ عن أيِّ دليلٍ إضافيٍ في المنزل، في الكتبِ القديمة، في مذكراتِ العائلة، ولكنَّ كلَّ شيءٍ كانَ يبدو وكأنه مختومٌ بالصمت. يبدو أنَّ جدتي قدْ فعلتْ كلَّ ما بوسعها لإخفاءِ الحقيقة، ولكنها تركتْ لنا أيضًا خيوطًا رفيعةً لنتبعها.
في نهايةِ اليوم، شعرتُ بأنني قدْ اقتربتُ خطوةً أخرى. لم أعدْ أرى الأمورَ بمنظورِ الخوفِ والرعب، بل بمنظورِ البحثِ عن العدلِ وإعادةِ الحق. إنَّ ما حدثَ في الماضي كانَ مؤلمًا، ولكنَّ إيجادَ الحقيقةِ قدْ يكونُ هوَ المفتاحُ لشفاءِ هذهِ اللعنة.
جلستُ على سريري، وقطعةُ الحجرِ الأسودِ في يدي. نظرتُ إليها، وتذكرتُ كلماتِ الزائر: "الحمايةُ الحقيقيةُ تأتي من داخلك." ربما كانَ يقصدُ أنَّ القوةَ الحقيقيةَ هيَ في الشجاعةِ والإصرارِ على كشفِ الحقيقة، وليسَ في أيِّ تمائمَ أو رموز.