المنزل الذي لا ينام
الفصل 12 — أشباح الماضي في المرآة
بقلم ظافر الغيب
الفصل 12 — أشباح الماضي في المرآة
مع بزوغ الفجر، لم يخف التوتر الذي يخيم على المنزل. بل بدا وكأن ضوء النهار يكشف عن المزيد من الأسرار بدلًا من تبديدها. جلست سارة وأحمد في غرفة المعيشة، وجهيهما شاحبين من قلة النوم والقلق. كانا يحاولان فهم معنى كلمات الجدة الأخيرة: "المفتاح ليس هنا... بل في الذكريات."
"ما هي الذكريات التي يمكن أن تكون مفتاحًا؟" تساءلت سارة، وعيناها زائغتان. "هل تقصد ذكرياتها هي؟ أم ذكرياتنا؟"
فكر أحمد مليًا. "ربما تقصد ذكريات العائلة. هذا المنزل قديم جدًا، وبه أجيال عاشت و ماتت فيه. قد تكون هناك أحداث لم تُكتشف بعد."
"لكن كيف نصل إلى هذه الذكريات؟" سألت سارة. "هل يجب أن نبحث في متعلقات الجدة؟"
"ربما،" أجاب أحمد، "ولكن علينا أن نكون حذرين. كل شيء هنا يبدو وكأنه يخفي شيئًا."
قررا البدء من غرفة الجدة. كانت الغرفة لا تزال تفوح منها رائحة غريبة، لكنهما تجاوزا الأمر. بدأوا في تصفح أغراض الجدة بعناية. وجدوا صورًا قديمة، ورسائل، وبعض الكتب المتآكلة. كل شيء كان يحكي قصة حقبة مضت.
في زاوية الغرفة، كانت هناك مرآة كبيرة، بإطار خشبي مزخرف، يبدو أنها لم تُستخدم منذ سنوات. غطاها الغبار، لكن انعكاس ضوء الشمس الخافت عليها جعلها تبدو أكثر غموضًا.
"انظري إلى هذه المرآة،" قالت سارة، مشيرة إليها. "تبدو قديمة جدًا."
اقترب أحمد منها، ومسح الغبار عن سطحها. وفجأة، تجمد.
"ماذا؟" سألت سارة، وهي تتقدم نحوه.
"انظري،" قال أحمد، بصوتٍ مرتعش.
نظرت سارة إلى المرآة. لم يكن انعكاسهما هو ما رأته. كان هناك شخص آخر يقف خلفهما في الانعكاس. امرأة شابة، ترتدي ملابس قديمة، وعيناها تحملان نظرة حزن عميق. كانت تشبه الجدة كثيرًا، لكنها كانت أصغر سنًا بكثير.
صرخت سارة بخفة، وارتدت إلى الخلف. "من هذه؟"
"لا أعرف،" أجاب أحمد، وعيناه لا تفارقان المرآة. "لكنها... تبدو وكأنها تعيش هنا."
بدأت المرأة في المرآة تتحرك ببطء، وكأنها تحاول التواصل معهما. أشارت بيدها نحو زاوية معينة في الغرفة، ثم اختفت فجأة، تاركةً المرآة تعكس صورتهما فقط، وجهيهما المذعورين.
"هل رأيت ذلك؟" قالت سارة، وهي تحاول استعادة أنفاسها. "لقد أشارت إلى شيء."
توجه أحمد نحو الزاوية التي أشارت إليها المرأة في المرآة. كانت هناك خزانة خشبية قديمة. حاول فتحها، لكنها كانت مغلقة.
"إنها مقفلة،" قال.
"ربما المفتاح في مكان قريب،" اقترحت سارة.
بدأا في البحث حول الخزانة. وتحت سجادة قديمة، وجدا صندوقًا خشبيًا صغيرًا. كان مغبرًا، لكن يبدو أنه لم يُفتح منذ زمن طويل. فتحه أحمد بحذر.
كان الصندوق مليئًا بالرسائل القديمة، وبعض الصور الفوتوغرافية. بدأت سارة في تصفحها. كانت الصور لامرأة شابة، هي نفسها المرأة التي رأوها في المرآة. كانت تُدعى "ليلى". والرسائل كانت موجهة إليها من شخص يُدعى "يوسف".
"ليلى ويوسف..." تمتمت سارة. "من هما؟"
قرأت سارة إحدى الرسائل. كانت تتحدث عن حب عميق، وعن وعد بالزواج. لكن الرسالة الأخيرة كانت مختلفة، تحمل نبرة يأس وحزن. كانت ليلى تتحدث عن شيء حدث، شيء جعلها تشعر بالخوف والوحدة.
"يبدو أن هذه ليلى،" قالت سارة، وهي تشير إلى إحدى الصور. "وهي جدتنا عندما كانت شابة. لكن ما الذي حدث لها؟ ولماذا هي في المرآة؟"
"ربما كانت تعيش في هذا المنزل،" قال أحمد. "وربما حدث لها شيء مأساوي هنا."
"لكن ما علاقة هذا بالمنزل الذي لا ينام؟" سألت سارة.
"ربما ليلى هي السبب،" قال أحمد. "ربما روحها عالقة هنا، تحاول أن تخبرنا شيئًا."
نظر كلاهما إلى المرآة مرة أخرى. لم تظهر ليلى. لكن شعورًا بالبرد اجتاح الغرفة، وكأن هناك حضورًا غير مرئي. أدرك أحمد وسارة أن أشباح الماضي لم تعد مجرد حكايات، بل أصبحت حقيقة تتجسد أمام أعينهما. والمفتاح الذي تحدثت عنه الجدة، ربما كان يكمن في فهم قصة ليلى المأساوية.