المنزل الذي لا ينام
الفصل 24 — حكاية زينب وندم الأجداد
بقلم ظافر الغيب
الفصل 24 — حكاية زينب وندم الأجداد
بعد لقاء فاطمة وصالح مع طيف زينب، وبعد قراءة مذكرات الجدة الكبرى، أصبح الأمر واضحاً أن روح زينب معلقة بالمنزل، تبحث عن راحة لم تجدها في حياتها. قررت فاطمة، مدعومة بصالح وأمينة، أن يبدأوا في البحث عن الحقيقة الكاملة لمأساة زينب.
"يا أمينة،" قالت فاطمة، وهي تجلس مع جدتها في غرفة المعيشة، "هل تتذكرين أي تفاصيل أخرى عن حياة جدتكِ الكبرى؟ هل ذكرت أي شيء عن التعامل مع زينب؟"
نظرت أمينة إلى السقف، وكأنها تحاول استحضار صورة بعيدة. "كانت أمي دائماً تتحدث عن زينب بحزن. كانت تقول إنها كانت فتاة طيبة، لكنها كانت جريئة أكثر من اللازم. كانت تحلم بحياة لم تكن متاحة لها."
"والشاب الذي أحبته؟" سألت فاطمة. "هل كان من عائلة معروفة؟"
"نعم. كان من عائلة السادة. عائلة لها مكانتها. لكنه كان... كان متمردًا بعض الشيء. لم يكن مهتماً بالتقاليد بقدر اهتمامه بقلبه. يقولون إن والدته كانت صارمة جداً، ولم تكن لتسمح له بالزواج من فتاة من طبقة زينب."
"إذن، كان الأمر يتعلق بالطبقية؟" سألت فاطمة. "وهل اكتشف أهل زينب علاقتها به؟"
"نعم. لقد اكتشفوا. وكانوا خائفين جداً. خوفاً على سمعتهم، وخوفاً من غضب السادة. حاولوا منعها، لكنها كانت مصرة. ثم... ثم حدث ما حدث."
"وما هو ما حدث بالضبط؟" سأل صالح، الذي كان يستمع بانتباه.
"لا أحد يعرف بالضبط." قالت أمينة. "كانت هناك همسات. همسات عن اختفائها. همسات عن أنها أُرسلت إلى مكان بعيد. لكن أمي، في مذكراتها، ألمحت إلى شيء أفظع."
"أفظع؟" كررت فاطمة.
"نعم. ألمحت إلى أن أهل زينب، وخوفاً من العار، أو ربما بأمر من عائلة الشاب، قاموا... قاموا بالتخلص منها."
شعر صالح بالاشمئزاز. "هذا لا يصدق! كيف يمكن لأهلها أن يفعلوا ذلك؟"
"كانت تلك الأيام مختلفة يا صالح. كانت الشرف والسمعة أهم من حياة الإنسان. وكانوا يعتقدون أنهم يفعلون الصواب لحماية العائلة."
"ولكنهم لم يحموا زينب." قالت فاطمة بحزن. "لقد دمروا حياتها، ودمروا روحها."
"ربما لهذا السبب هي عالقة هنا." قالت أمينة. "تبحث عن حقيقة موتها، وتبحث عن اعتذار، أو عن عدالة."
"ولكن كيف نجد هذه العدالة؟" سأل صالح. "لقد مات كل من شارك في ذلك منذ زمن طويل."
"ربما ليس عدالة بالمعنى القانوني." قالت فاطمة. "ربما عدالة بمعنى أننا نكشف الحقيقة. أننا نذكر قصتها. أننا نمنحها السلام الذي لم تجده في حياتها."
"ولكن كيف نكشف الحقيقة؟" سأل صالح. "المذكرات تلمح فقط. لا يوجد دليل قاطع."
"ربما هناك دليل." قالت فاطمة، وعيناها تتجهان نحو غرفة الأجداد. "ربما هناك شيء تركته هي، أو تركه أحدهم، ليتم اكتشافه."
قرروا البحث مجدداً في غرفة الأجداد. هذه المرة، لم يكونوا يبحثون عن أوراق عادية، بل عن أي شيء يمكن أن يشير إلى مصير زينب. بحثوا في الأدراج القديمة، وبين الكتب، وتحت السجاد.
بعد ساعات من البحث، وبينما كان صالح يحاول تحريك قطعة أثاث قديمة وثقيلة، انزلقت منها ورقة صغيرة، مطوية بعناية. كانت ورقة بالية، ورسم عليها قلب صغير، وبجانبه حرف "ز".
"ما هذا؟" سأل صالح، وهو يلتقطها.
نظرت فاطمة إلى الورقة. "حرف الزاي... زينب. وهذا القلب..."
"أتذكر هذا الرسم!" صاحت أمينة. "كانت زينب ترسم قلوباً صغيرة على كل شيء. كانت تحب الشاب كثيراً. وكانت تترك له رسائل صغيرة."
"إذن، هذه رسالة منها؟" سألت فاطمة.
"ربما." قالت أمينة. "لكنها مطوية بهذه الطريقة... وكأنها تخفي شيئاً."
فتحت فاطمة الورقة بحذر شديد. كانت مكتوبة بخط يد زينب، بخط رفيع ومتوتر.
"إلى من يجد هذه الكلمات،" بدأت الرسالة. "أنا هنا، محبوسة. ليس في جدران هذا المنزل، بل في قلوب من خانوا ثقتي. لقد أخذوا مني حبي، وأخذوا مني حياتي. ولكنهم لم يستطيعوا أخذ روحي. إذا وجدتم هذه الكلمات، اعلموا أنني لم أمت ميتة طبيعية. لقد تم... لقد تم إنهاء كل شيء. لكنهم لم يدفنوا قلبي. كان حبنا أقوى من موتهم. قلبي هنا، في مكان يعرفه فقط من شاركني هذا الحب. وفي هذا المكان، لن تجدوا سوى الندم. وليعلموا أن روحاً بريئة لن ترتاح حتى تُكشف الحقيقة."
"قلبها... في مكان يعرفه فقط من شاركها هذا الحب." كررت فاطمة. "أين يمكن أن يكون هذا المكان؟"
"الشاب..." قالت أمينة. "لقد كان يحبها. ربما ترك لها شيئاً. أو ربما... ربما تركوا شيئاً معاً."
"هل يمكن أن يكون هذا المكان داخل المنزل؟" سأل صالح.
"ربما." قالت فاطمة. "ربما مكان سري. مكان كانا يلتقيان فيه."
بدأوا يفكرون. أين يمكن أن يكون مكان سري في هذا المنزل القديم؟ تذكروا حديقة المنزل، والأماكن المهجورة. تذكروا شجرة التفاح القديمة في أقصى الحديقة، التي كانت تحتضن تاريخاً طويلاً.
"شجرة التفاح!" قالت فاطمة فجأة. "كانت زينب تحب الجلوس تحتها. ربما... ربما كانا يلتقيان هناك."
توجهوا إلى شجرة التفاح القديمة. بدأت رحلة البحث مرة أخرى. حاولوا البحث حول جذور الشجرة، وفحصوا أي شقوق أو فراغات في الجذع.
كانت فاطمة تشعر بأنها تقترب من شيء. شعرت بوجود طاقة غريبة حول الشجرة. وبينما كانت تمسح التراب عن جزء من الجذع، لمست شيئاً بارداً. لقد كان حجراً صغيراً، مدفوناً جزئياً في التراب. وعلى الحجر، كان هناك نقش... حرف "ز" مرة أخرى، وقلب منحوت.
"وجدته!" صاحت فاطمة. "إنه هنا!"
بمساعدة صالح، حفروا حول الحجر. وجدوا صندوقاً خشبياً صغيراً، متآكلاً بفعل الزمن. فتحوه بحذر. في الداخل، لم يكن هناك سوى قطعة قماش بالية، وفيها... قلب من الذهب، صغير، يبدو أنه كان يوماً ما مزيناً بالأحجار الكريمة. وبجانبه، رسالة أخرى، مكتوبة بخط يد الشاب، بخط مختلف تماماً عن خط زينب.
"إلى زينب، حبيبتي،" بدأت الرسالة. "إذا وجدتِ هذا، فاعلمي أنني أحبكِ حتى الموت. لقد حاولوا فصلنا، لكنهم لن يفلحوا. هذا القلب هو وعدي لكِ. وعد بأننا سنكون معاً يوماً ما. حتى لو لم يكن في هذه الحياة، فسيكون في حياة أخرى. إذا لم أستطع حمايتكِ، فليعلم الجميع أنني أحببتكِ بصدق. أتمنى أن تجدي السلام. قلبي معكِ دائماً."
انتهت الرسالة. ساد الصمت. نظرت فاطمة إلى صالح وأمينة، وعيناهما مليئتان بالحزن والتأثر.
"لقد أحبها حقاً." قالت أمينة بصوت مختنق. "لكنه لم يستطع فعل شيء لحمايتها."
"ربما لهذا السبب مات هو أيضاً." قالت فاطمة. "ربما لم يستطع العيش بدونها. أو ربما... ربما أُجبر على الرحيل."
"والآن،" قال صالح، وهو ينظر إلى القلب الذهبي، "ماذا نفعل بكل هذا؟"
"يجب أن نكشف الحقيقة." قالت فاطمة. "يجب أن نكشف ما حدث لزينب. يجب أن نمنح روحها السلام."
"ولكن كيف؟" سأل صالح. "لم يعد هناك أحد من عائلتها على قيد الحياة. ولم يعد هناك أحد من عائلة الشاب."
"سنفعل ما تستطيع أيدينا فعله." قالت فاطمة. "سنحتفظ بهذه الذكرى. وسندعو لروح زينب بالرحمة. وسنحاول أن نفهم ما الذي يربط كل هذا بالبيت. وما الذي يربط كل هذا بالحجر الأسود."
كانت تلك الرسالة، وذلك القلب الذهبي، هما الخطوة الأولى نحو فهم ماضٍ مؤلم. لكنهما لم يكشفا عن كل الألغاز. ظل الحجر الأسود في البئر، وظلت النقوش الغامضة عليه، تنتظر.