المنزل الذي لا ينام
الفصل 3 — لقاء في الظلام
بقلم ظافر الغيب
الفصل 3 — لقاء في الظلام
مرت أيام على اكتشاف الغرفة السرية والمذكرات القديمة، لكن الأجواء في بيت الياسمين لم تتحسن. بل على العكس، بدأت المخاوف تتجذر أكثر، وتتحول إلى يقين بأنهم ليسوا وحدهم. كانت سارة تعاني من كوابيس متكررة، تحلم فيها بظلال سوداء تتراقص حول سريرها، وهمسات لا تفهمها تتردد في أذنيها. كانت والدتها، أمينة، تقضي معظم وقتها في الصلاة والدعاء، لكن عينيها كانتا تحملان نظرة زائغة، وكأنها ترى ما لا يراه الآخرون.
أما أحمد، فقد كان يحاول جاهدًا البحث عن تفسير منطقي. أمضى ساعات في مكتبة المدينة، يبحث في أرشيفات الصحف القديمة وسجلات الأراضي. لم يجد الكثير عن قصة ليلى، لكنه اكتشف أن المنزل كان مهجورًا لفترات طويلة قبل أن تشتريه جدة سارة. هذا زاد من قلقه.
في إحدى الليالي، بينما كان أحمد منهمكًا في قراءة بعض الأوراق في مكتبه المرتجل في غرفة المعيشة، سمع صوتًا غريبًا. لم يكن صوت الرياح، ولا صرير الأثاث. كان صوتًا يشبه الغناء، لكنه كان حزينًا وبطيئًا، وكأنه قادم من مكان بعيد جدًا. تتبع الصوت، فوجده يأتي من جهة الطابق العلوي، بالقرب من الغرفة التي اكتشفوها.
صعد أحمد الدرج بحذر، وقلبه يدق بعنف. كان الظلام يلف المكان، ولم يكن لديه سوى ضوء هاتفه المحمول. وصل إلى نهاية الرواق، وتوقف أمام باب الغرفة السرية. كان الصوت الآن أكثر وضوحًا، وأكثر غموضًا. كان يشبه بكاءً مكتومًا.
"من هناك؟" نادى أحمد بصوت حاول أن يجعله قويًا.
توقف الغناء فجأة. ساد صمت مطبق، أثقل من ذي قبل. ثم، سمع صوتًا آخر، هذه المرة أقرب، وكأنه قادم من خلفه. التفت بسرعة، لكن لم يكن هناك أحد. شعر ببرودة شديدة تتسرب إلى جسده، رغم أن الجو كان دافئًا.
"هل أنتِ بخير يا أحمد؟" صوت سارة جاء من خلفه. كانت تقف في نهاية الرواق، تبدو قلقة.
"نعم، أنا بخير. كنت أسمع بعض الأصوات." أجاب أحمد، وهو يحاول أن يبدو هادئًا. "لكن يبدو أنها توقفت."
"أنا أيضًا سمعت شيئًا." قالت سارة. "بدا وكأنه همس."
نظر أحمد إلى باب الغرفة السرية. كان يميل إلى إغلاقه وعدم فتحه مرة أخرى، لكن شيئًا ما كان يجذبه إليه. "دعنا ندخل مرة أخرى." قال.
فتح أحمد الباب، وتبعته سارة. هذه المرة، كانت الغرفة تبدو مختلفة. كان الهواء فيها أكثر برودة، والرائحة أصبحت أقوى، رائحة تراب قديم ممزوجة بشيء آخر، شيء لا يمكن وصفه. على الطاولة، بدت المذكرات وكأنها قد تم فتحها حديثًا، على الرغم من أنهم تركوها مغلقة.
"انظروا." قالت سارة، مشيرة إلى صفحة معينة. "هذه الصفحة لم تكن مفتوحة هكذا."
قرأ أحمد الصفحة. كانت ليلى تصف فيها شعورها بالوحدة، ورغبتها في أن يتفهمها أحد. كتبت: "أنا هنا، أنتظر. أنتظر من يسمعني، من يراني. لا أريد الأذى، أريد فقط أن لا أكون وحيدة."
"إنها تشعر بالوحدة." تمتمت سارة. "ربما هي لا تريد إخافتنا، ربما هي فقط تحاول التواصل."
"لكن بهذه الطريقة؟" قال أحمد، وهو ينظر حوله. "هذا ليس تواصلًا، هذا إرهاب."
فجأة، انطفأ ضوء الهاتف المحمول. غرقت الغرفة في ظلام دامس. شعرت سارة بيد والدها ت أمسك بيدها بقوة. كان الهواء باردًا بشكل لا يصدق، وكأنهم يقفون في منتصف فصل الشتاء. سمعوا صوتًا خفيفًا، يشبه تنفسًا ثقيلًا، قادمًا من الزاوية المظلمة للغرفة.
"من هناك؟" صاح أحمد، محاولًا أن يكتشف مصدر الصوت.
لم يكن هناك رد. فقط الصمت الثقيل، الذي كسره صوت مروحة قديمة في الغرفة، بدأت تدور ببطء، على الرغم من أنها لم تكن موصولة بالكهرباء. ثم، في الظلام، بدأت الأشكال تتشكل. لم تكن واضحة تمامًا، ولكنها كانت تتحرك، تقترب.
شعر أحمد بيد سارة ترتجف في يده. "يجب أن نخرج من هنا." قال بصوت خفيض.
بدأوا بالانسحاب ببطء نحو الباب. لم يجرؤوا على الالتفات، خوفًا مما قد يرونه. عندما وصلوا إلى الممر، أضاء أحمد هاتفه مرة أخرى. نظر حوله، لكن لم يكن هناك شيء. باب الغرفة السرية كان مغلقًا بإحكام، وكأن شيئًا لم يحدث.
"ما هذا الذي يحدث هنا يا أبي؟" سألت سارة، وعيناها مليئتان بالدموع.
عانقها أحمد بقوة. "لا أعرف يا ابنتي، لكننا سنتجاوز هذا معًا. سنفهم ما يحدث."
في تلك الليلة، لم يستطع أي منهم النوم. جلسوا جميعًا في غرفة المعيشة، تحت ضوء المصباح، يتحدثون بصوت خفيض، يحاولون استيعاب ما حدث. أدرك أحمد أن هذا المنزل ليس مجرد منزل قديم، بل يحمل في طياته سرًا مظلمًا، سرًا يتجسد الآن، ويكاد يلتهمهم. كان اللقاء في الظلام قد كشف لهم عن وجود حقيقي، وجود لا يمكن تفسيره بالمنطق، وجود بدأ يفرض نفسه على حياتهم.