صرخة من الماضي
الفصل 12 — أشباح الماضي
بقلم سامر الخفي
الفصل 12 — أشباح الماضي
تسللت الظلال الطويلة في أرجاء المنزل مع غروب الشمس، معلنةً عن بداية ليلة أخرى مليئة بالترقب. كانت ليلى تجلس في غرفتها، والصندوق الخشبي مفتوح أمامها، تدرس محتوياته بعمق. الحجر الأسود في يدها، والمفتاح النحاسي بجانبه، والكتاب القديم مفتوح على صفحة لم تفهم منها شيئًا سوى بعض الرموز المتكررة. لكن الهمسات لم تتوقف. أصبحت أكثر إلحاحًا، تحمل نبرة يأس متزايد.
"إنها تراقبكِ..." "لا تدعيها تقترب..." "السر في الدماء..."
ارتعش جسد ليلى، وشعرت ببرد مفاجئ يتغلغل في عظامها، رغم أن الغرفة كانت دافئة. كانت والدتها قد خرجت لزيارة جارتها، وتركتها وحدها في المنزل. الصمت الذي كان مريحًا في السابق، أصبح الآن مشوبًا بالتوتر، وكل صوت صغير، كصرير باب أو حفيف ستارة، كان يثير قفزات قلبها.
نظرت ليلى إلى صورة جدتها المعلقة على الحائط. كانت الجدة تبتسم ابتسامة هادئة، لكن عينيها في الصورة بدت وكأنها تحمل سرًا عميقًا، سرًا تعرفه ليلى الآن أنه يتعلق بماضي العائلة. تذكرت كيف كانت جدتها تحكي لها القصص عن الأجداد، عن نساء قويات ورجال شجعان، ولكن دائمًا كان هناك شيء غامض في تلك القصص، شيء لم تستطع ليلى فهمه وقتها.
بينما كانت تتأمل الصورة، شعرت بلحظة من الانفصال عن الواقع. بدت الغرفة وكأنها تبتعد، وتتغير. ظهرت في زاوية الغرفة شخصية باهتة، كأنها ضباب يتجسد. كانت امرأة ترتدي ثيابًا قديمة، شعرها الطويل ينسدل على كتفيها، وملامحها غير واضحة، لكنها بدت حزينة. شعرت ليلى بأنها تعرف هذه المرأة، أو ربما هي جزء منها.
"من أنتِ؟" همست ليلى، وصوتها يرتعش. لم تجب المرأة، بل مدت يدها نحو ليلى ببطء، وكأنها تحاول الوصول إليها. في تلك اللحظة، شعرت ليلى بدفعة قوية، كأنها سُحبت إلى الوراء. عادت إلى الواقع، لتجد نفسها جالسة في نفس المكان، والصورة الباهتة قد اختفت. لكنها لم تكن تتخيل ذلك. كان الشعور بالوجود الآخر حقيقيًا، لا يزال عالقًا في الهواء.
قامت ليلى من مكانها، وشعرت بالحاجة إلى التحقق من كل شيء. فتحت نوافذ الغرفة، ودخل الهواء النقي، مصحوبًا برائحة الأرض المبللة. نظرت إلى الحجر الأسود في يدها، وبدأت تفكر في طبيعة تلك الرموز الغريبة في الكتاب. هل يمكن أن تكون لغة قديمة؟ لغة تستخدم في طقوس معينة؟
لم تكن ليلى تؤمن بالخرافات، لكن الأحداث الأخيرة كانت تدفعها لتغيير رأيها. ما حدث كان يفوق أي تفسير منطقي. فكرت في والدتها، هل يجب أن تخبرها بكل ما يحدث؟ لكنها خشيت أن تثير قلقها أكثر، أو أن لا تصدقها.
في تلك الأثناء، سمعت صوت مفتاح في الباب الأمامي. عادت والدتها. "ليلى؟ هل أنتِ هنا؟" "نعم يا أمي، أنا في غرفتي." دخلت والدتها الغرفة، وهي تحمل معها حقيبة تسوق. "كنتِ وحدكِ؟" سألت والدتها، وهي تلقي نظرة سريعة على الصندوق المفتوح. "نعم، لكنني بخير." "ما هذا؟" سألت والدتها، مشيرة إلى محتويات الصندوق. ترددت ليلى للحظة، ثم قررت أن تخبرها بجزء من الحقيقة. "هذا صندوق جدتي. وجدته في الخزانة. وفيه بعض الأشياء القديمة." اقتربت والدتها، ونظرت إلى الكتاب والمفتاح والحجر. "غريب. لم أرَ هذه الأشياء من قبل." "أنا أيضًا," قالت ليلى. "لكنني أشعر بأنها مهمة. والهمسات التي أسمعها... أعتقد أنها مرتبطة بها." نظرت والدتها إليها بعينين مليئتين بالقلق. "همسات؟ يا ليلى، أنا قلقة عليكِ. ربما هذه الأفكار مجرد نتيجة لتوترك. يجب أن نتحدث مع طبيب." "لا يا أمي، لا يوجد شيء خاطئ بي. أنا فقط أحاول أن أفهم. جدتي تركت لي هذا، وأعتقد أنها أرادت مني أن أعرف شيئًا." نظرت والدتها إلى الحجر الأسود، ثم إلى ليلى. "هذه الأشياء تبدو قديمة جدًا. كأنها من عالم آخر." "ربما هي كذلك،" قالت ليلى، ونبرتها تحمل نوعًا من اليقين. "ربما هي مرتبطة بأسرار عائلتنا التي تحدثت عنها جدتي."
في تلك الليلة، لم تستطع ليلى النوم. ظلت مستيقظة، تستمع إلى أصوات الريح، وتراقب الظلال التي ترقص على جدران غرفتها. شعرت بأن هناك عينين تراقبها من الظلام. شعرت بأن الماضي ليس مجرد ذكريات، بل هو كيان حي، يتنفس، ويحاول الوصول إليها. تذكرت وجه المرأة الباهتة التي رأتها، وشعرت بأنها قد ترتبط بشيء أعمق، بشيء قد يكون خطيرًا.
حملت الحجر الأسود في يدها، وشعرت بوخز خفيف مرة أخرى. بدت الرموز في الكتاب وكأنها تتغير وتتحرك أمام عينيها، رغم أنها لم تكن تنظر إليه مباشرة. أدركت ليلى أن هذا ليس مجرد خوف، بل هو دعوة لمواجهة شيء، شيء قد يغير مسار حياتها للأبد.