صرخة من الماضي
الفصل 14 — الظل يقترب
بقلم سامر الخفي
الفصل 14 — الظل يقترب
مرت الأيام، وكل يوم كان يحمل معه مزيدًا من التوتر والترقب. كانت ليلى تحاول جاهدة أن تبدو طبيعية أمام والدتها، لكن الأفكار كانت تتصارع داخلها. أصبحت تقضي ساعات طويلة في غرفتها، تدرس الكتاب القديم، وتحاول فك ألغاز مذكرات جدتها. الهمسات لم تتوقف، بل أصبحت أكثر وضوحًا، وكأنها تحاول إرشادها أو تحذيرها.
"هم يرونكِ..." "الحجر ينبض..." "الوقت ينفد..."
في إحدى الليالي، بينما كانت ليلى تقلب في صفحات الكتاب، رأت شيئًا غريبًا. أحد الرموز، الذي كان يبدو دائمًا ثابتًا، بدأ يتوهج بضوء خافت. امتد الضوء من الرمز، ووصل إلى يدها التي كانت تمسك بالحجر الأسود. شعرت بوخز أقوى هذه المرة، وكأن الحجر يتفاعل مع الكتاب، ومعها.
فجأة، سمعت صوتًا خافتًا خارج نافذتها. صوت يشبه التمتمة، ولكنه كان يحمل نبرة تهديد. نظرت ليلى إلى الخارج، ورأت شيئًا يتحرك في الظلام، شيئًا لا يشبه أي حيوان تعرفه. كان كبيرًا، وداكنًا، يتحرك بصمت غريب. شعرها وقف على جسدها.
"يا أمي!" صرخت ليلى، وركضت نحو باب غرفتها. فتحت الباب، ورأت والدتها قادمة من المطبخ. "ماذا هناك يا ليلى؟" "هناك شيء بالخارج! رأيت شيئًا..." نظرت والدتها إلى النافذة، لكن لم يكن هناك شيء واضح في الظلام. "لا أرى شيئًا يا حبيبتي. ربما كان مجرد ظل شجرة." "لا، لم يكن ظل شجرة! كان... كان حيوانًا غريبًا. ورأيت عيونًا تلمع في الظلام." اقتربت والدتها منها، ووضعت يدها على جبينها. "لستِ بخير يا ليلى. يجب أن نهدأ." "لكنني رأيته حقًا!" قالت ليلى، والدموع بدأت تتجمع في عينيها. "أعتقد أنهم جاءوا. أصحاب الظلام الذين تحدثت عنهم جدتي."
شحب وجه والدتها، وبدت عليها علامات القلق. "لا تقولي هذا يا ليلى. جدتك كانت تخاف كثيرًا في أواخر أيامها. ربما كانت ترى أشياء ليست موجودة." "لكنني رأيت!" أصرت ليلى. "والحجر... إنه يتفاعل مع الكتاب. أعتقد أنه يحاول أن يخبرني شيئًا."
في تلك الليلة، لم تنم ليلى. ظلت مستيقظة، تراقب النافذة، وتسمع كل صوت. شعرت بأنها مراقبة. في منتصف الليل، استيقظت على صوت خافت جدًا، صوت يشبه الخدش على زجاج النافذة. ذهبت نحو النافذة بحذر، وقلبها يخفق بعنف.
كانت هناك بصمة يد على الزجاج، بصمة غريبة، أصابعها طويلة ورفيعة، وكأنها ليست يد بشرية. ابتعدت ليلى عن النافذة مذعورة. لقد اقتربوا.
في اليوم التالي، شعرت ليلى بأنها بحاجة إلى حماية. تذكرت التعويذة التي وجدتها في الكتاب، والتي كانت مطرزة على قطعة القماش السوداء. بدأت تبحث عن تلك القطعة. وجدتها في الصندوق الصغير الذي وجدته في غرفة جدتها. أمسكت بها، وشعرت بدفء خفيف ينبعث منها.
قررت ليلى أن تجرب التعويذة. بدأت بترديد الكلمات بصوت منخفض، وهي تمسك بالحجر الأسود وقطعة القماش. شعرت بأن قوة غريبة تتجمع حولها، قوة دافئة وواقية. للحظة، شعرت بأن الهمسات التي كانت تسمعها قد هدأت، وكأنها وجدت ملاذًا مؤقتًا.
لكن هذه الراحة لم تدم طويلاً. في المساء، أثناء تناول العشاء مع والدتها، اهتز المنزل فجأة. سقطت الأطباق من الطاولة، وانطفأت الأنوار. ساد الظلام والغبار.
"ما هذا؟" سألت والدتها، وهي تضع يدها على صدرها. "لقد وصلوا!" قالت ليلى، وصوتها يرتعش، لكنه يحمل أيضًا نبرة تصميم. خرجت ليلى إلى الرواق، ورأت ظلًا داكنًا يتحرك بسرعة في الخارج. لم يكن مجرد ظل، بل كان شكلًا غريبًا، شبه بشري، لكنه أكبر وأكثر إثارة للرعب. كان يقترب من الباب.
"عليكِ أن تذهبي، يا ليلى!" قالت والدتها، وهي تمسك بيدها. "يجب أن تذهبي بعيدًا!" "لا يا أمي، لن أترككِ!" "يجب أن تفعلِ! هذه هي مهمتكِ. جدتكِ اختارتكِ لهذه المهمة. احفظي الحجر، واحفظي الأسرار."
شعرت ليلى بأنها أمام مفترق طرق. إما أن تستسلم للخوف، أو أن تواجه مصيرها. تذكرت جدتها، وتذكرت كل القصص. أمسكت بالحجر الأسود بقوة، وقطعة القماش السوداء. "سأحميه، يا أمي،" قالت ليلى، وصوتها أصبح أقوى. "ولن أدعهم يأخذونه."
اندفع الظل بقوة نحو الباب، محاولًا كسره. سمعت ليلى صوتًا عاليًا، كأنه صراخ من بعيد، ولكنه يحمل قوة مرعبة. أدركت أن الصراع قد بدأ بالفعل.